كيف تربي منافقا؟
في الصف الأول الابتدائي تعلمت أن الكذب حرام وأن من يكذب يذهب للنار. وإن مر هذا الدرس مرور الكرام على غيري فإنه أثقلني بالهم. فكرت بجدية إن كنت قد كذبت قبل أن آخذ هذا الدرس ومع تأكدي من أنني فعلت أحسست بالندم على عمري الذي ضاع سدى. تساؤلات عدة أصبحت تتوالى على: لماذا لم يقل لي أحد هذه المعلومة المصيرية من قبل لأتفادى العواقب؟ كيف سأستمر بالعيش وأنا ذاهبة للنار؟ وهل لأي شيء بعد اليوم معنى بعد أن عرفت مصيري المحتم؟ انزعجت بالفعل واستمررت في تساؤلاتي حتى جاء الفرج على هيئة درس آخر عن الجهاد وتعلمت أن من يجاهد في سبيل الله ويستشهد يدخل الجنة بلا حساب. لم يذكر الاستغفار ولا التوبة بل الجهاد فقط، لطالبات في الصف الأول الابتدائي! أخذت تحليلاتي منحنى آخر وفكرت في الوقت الذي يفترض لي أن أجاهد به وإن كان يقبل بي كطفلة. تساءلت إن كان يمكنني الانتظار قليلا لأنني لم أشأ أن أفجع أمي أو إن كنت أستطيع عيش حياتي بخطة بشرط أن تنتهي بالجهاد. مع كثرة الحديث عن الجهاد في تلك الفترة والنصر المحتم للمسلمين قلقت من احتمالية تأجيل الجهاد لأن من جاهد وقتها قد سبقني ولن يبقى لي مكان بعد النصر في فلسطين وأفغانستان فكيف أضمن آخرتي إن أجلت؟ استمرت التساؤلات ولن أدخل في تفاصيل الخطة كاملة ولكن أؤكد لكم أنه كان لدي خطة. أفكار بسيطة زرعت في ذهني وعمري لم يتجاوز السابعة. لم أشأ الافصاح بها لأحد آنذاك نظرا لندمي على الكذب ومعرفتي بخطئه وكنت أثق في معلمتي كفاية لئلا أشكك في اكتمال علمها أو الدرس وأخذت كلمتها على أنها حقيقة مطلقة لا جدال فيها.عندما أقص قصتي هذه لأحد نضحك على السذاجة والبراءة وعقلية الطفل المحلل ولكن عند النظر بتمعن فإن القصة بها من المقلق الشيء الكثير. وإن كنتم تظنون أن هذه القصة من عصر ولى، أدعوكم لإعادة النظر. فالدواعش بيننا يؤكدون أن الاستقطاب عن طريق تسهيل العسير وتعسير السهل من أجل تنفيذ مخططاتهم موجود. تذهلنا وحشية الجرائم وكيف يمكن لعقل يفكر ألا يراها على حقيقتها وكيف يمكن لها أن تنسب للدين الإسلامي حتى من بعيد. زراعة الأفكار في أذهان الأطفال والشباب أمر هين وبالذات عند غياب التواصل السليم بين الأهل والأبناء. فالفراغ الموجود تتم تعبئته دون تمييز ووعي بما يتعرضون له. يتعلم الأبناء لدينا مبكرا كيف يتفادون المشاكل الأسرية بالتظاهر بما يود الأهل أن يروه منهم. فلماذا يدافع عن شيء يحبه أو يرغب القيام به ليجد من الأهل مقاومة عندما يستطيع إخفاءه عنهم دون أن يتعرض للمساءلة؟ تفاجأت عندما نصحت طفلة بأن ما تقوم به خاطئ وقالت لي وهي تعرف أن ليس لي سلطة عليها بأنه لا بأس مما تقوم به لأن المهم ألا يعرف الوالدان. كيف وصلت لهذه النتيجة وكيف تعلمت هذا الدرس؟ابتعاد الأطفال وإخفاء ما يقومون به قد ننسبه للخوف من العقاب ولكن من وجهة نظري هذا السبب لا يحكي كامل القصة. فما يفعلونه هو ما تعلموه بالفعل من الأهل الذين يظهرون غير ما يبطنون. يتظاهرون أمام الناس بالمثاليات ويناقضون أنفسهم وجمهورهم الأول الذي يرى الوجهين هم الأطفال. الأطفال الذين يكشفون أهلهم ويحرجونهم يتم توبيخهم فيتعلمون السكوت وكيفية تطبيق الدرس بأنفسهم. لا أظن أن أحدا رزق طفلا قرر بشكل واع أن يربيه ليصبح منافقا ولكن هذا بالفعل ما يحدث. نتقمص الأدوار حسب المكان والناس الذين نقابلهم ونتلون موسميا وأحيانا نختلف جذريا في سلوكنا بين نهار وليل. بكلامي هذا لا ألغي التعقيدات الشخصية التي تتميز بها حياتنا والأدوار المختلفة التي نلعبها ولكن أقصد بالتحديد التناقض الذي نعيشه.كان الأهل في السابق يعتقدون أنهم مسيطرون على سلوكيات أبنائهم ويتحكمون بما يتعرضون له ومع ذلك تأكدوا من خلال التجربة أن هذا الاعتقاد خاطئ. أما الآن والأهالي يجزمون بعدم سيطرتهم على ما يتعرض له الأبناء مع دخول العالم بمحاسنه ومساوئه إلى ما بين أيديهم فإنه أصبح على الأهل أن يتحلوا بمبادئهم ويعيشون أمام أبنائهم بمصداقية عالية ويجعلون مجال الحوار مفتوحا.