الهروب إلى الطريق المسدود
كثيرون أولئك الذين يهربون من مواجهة المواقف الصعبة أو في أحسن الحالات يؤجلون مواجهتها، وفي الحالتين غالبا ما تتعقد الأمور ليصل حلها إلى درجة الاستحالة أو الصعوبة الشديدة، وهذا الهروب أو التأجيل يؤديان حتما إلى مزيد من التعقيد والصعوبة، عندما تتوفر إرادة الإقدام على المواجهة التي قد تكون صعبة في بدايتها، لكنها حتما ستكون أكثر صعوبة في حالتي الهروب أو التأجيل، والتردد في جميع الحالات نوع من الضعف وعدم القدرة على مواجهة المواقف الصعبة مع أن الحزم هو الوسيلة الوحيدة لتجاوز كل العقبات، حتى وإن كانت النتائج قاسية، فإنها لن تكون أقسى من نتائج الهروب أو التأجيل وعدم المواجهة باتخاذ القرار المناسب في حينه. وفي الحياة العادية، تواجه الإنسان الكثير من الحالات التي تضعه في مواقف لا يحسد عليها من التردد، مما قد يدفعه إلى تأجيل تحديد موقفه منها، وهذا نوع من السلبية ذات الآثار المستقبلية الكارثية أحيانا قياسا على حجم الحالة وعلاقتها بمصير الإنسان ذاته، خاصة إذا ارتهن الأمر بوقت معين لا تفيد بعده أي حلول أو مواقف سوى الندم على ما فات من وقت، كان بالإمكان الاستفادة منه واستغلاله في اتخاذ القرار المناسب فيما هو غير قابل للتأجيل، مع أن الوقت دائما ما يكون دافعا للحزم المباشر؛ لأن عقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء. ومهما حاول الإنسان الابتعاد عن كل ما ينغص حياته من المشكلات صغيرة كانت أو كبيرة، فإن هذه المنغصات والمشكلات لا بد أن تعترض طريقه في يوم من الأيام، وترغمه على تحديد موقفه منها، مما يضعه في موقف صعب، خاصة إذا لم تسبق له تجربة في مواجهة مثل هذه المنغصات والمشكلات، فهي تشكل له تحديا جديدا لم يسبق أن مر بمثله، بحكم تجاربه الحياتية المحدودة، ومع ذلك فليس من الحكمة الهروب منها، حتى بالنسبة لمن لا يملك سلاح التغلب عليها، وهذا لا يعني حتما التهور في المواجهة التي قد تكون غير متكافئة، بين المشكلة ذاتها ومن يتصدى لها، ولكنه يعني فقط تحديد الموقف منها مهما كان هذا الموقف، مع الأخذ في الحسبان النتيجة المترتبة على ذلك، فلم يكن الهروب أو التأجيل - في يوم من الأيام - حلا لأي مشكلة، وإنما ذلك قد يقود إلى هدر الوقت الذي لا يمكن تعويضه بأي حالة من الحالات، وليس هدر الوقت فقط، بل التعود على عدم المواجهة أيضا، وترسيخ مفاهيم الانهزام في نفوس المترددين والخائفين من اتخاذ المواقف بشجاعة وإصرار بعد الاقتناع بجدواها. ومن أبسط المعضلات شأنا إلى أكبرها شأنا يظل اتخاذ المواقف الشجاعة حيالها في حينها، عملا إيجابيا حتى وإن لم تكن النتائج بالمستوى نفسه المتوقع من النجاح، واتخاذ المواقف المباشرة لا يمنع من التروي والبحث عن الحلول المناسبة، لكنه يمنع حتما الهروب أو التأجيل غير المحدود، أو التجاهل والإهمال النهائي، وكل ذلك يزيد من تعقيد الأمور، لتصبح المشكلة في النهاية مثل كرة الثلج التي تكبر كلما طال بها الوقت، واستمرت بالانحدار من القمة حتى إذا وصلت إلى السفح أصبحت غير قابلة للانزياح إلى منطقة يسهل فيها الحل. هذه حالة من حالات كثيرة يمر بها الإنسان في حياته فتضعه أمام خيارات صعبة ربما قادته إلى الحيرة والتردد، لكن أي حيرة أو تردد لن يحل المشكلة، وقد وهب الله الإنسان ودون بقية خلقه عقلا مفكرا قادرا على المواجهة والتحليل والاستنتاج، لكن كثيرين يحيدون عقولهم فلا يحكّمونها في تحديد مواقفهم حيال ما تحمله لهم الحياة من مفاجآت، عندما تنتابهم حالات الانهزام أمام حتى أبسط الأمور وليس أعقدها فقط، وهذا أمر يدعو إلى التأمل في ردود الفعل المباشرة أو غير المباشرة لدى الإنسان، وكأن هذا الإنسان لغز لم تكتشف بعد شفرة التعرف على دوافع تصرفاته، عندما يحدد مواقفه وفق مقاييس لا يقبلها العقل، رغم تمتعه بالعقل الراجح، الذي يقود دائما - أو هكذا يفترض - إلى الصواب، وتكون الكارثة أن يقود إلى الخطأ، فالإنسان الذي اكتشف الفضاء لم يستطع بعد أن يكتشف نفسه، وهذا ما يفسر أن يستجير أحيانا من الرمضاء بالنار، مع علمه المسبق: (أن الرمضاء أهون من النار).