الملك في الشورى.. خطاب الثقة
من أسرار نجاح واستمرار الشخصية القيادية السعودية، المخزون العالي من الثقة بالله وبقدره وقضائه الذي لن يكون إلا خيراً، ما دام المرء سواء كان حاكما أم محكوما يقوم بواجباته تجاه ربه ووطنه وتجاه الناس. هذه هي الغلالة الشفافة التي صبغت خطاب خادم الحرمين الشريفين بالأمس القريب وهو يتكرم بافتتاح السنة الأولى من أعمال الدورة السابعة لمجلس الشورى. تلمسها كل من أصغى إلى الخطاب بهدوء وتتبع سير الكلمات والمفردات. القيادات السياسية السعودية لم تكن طوال تاريخها تفضل الخطابات الطويلة ولم يكن من عادتها تصديع رؤوس الناس بالكثير من الكلام والقليل من الزبدة أو المعاني كما يقال، ويبقى خطاب الملك سلمان في مجلس الشورى نسخة مختلفة كليا. الخطاب بدأ بالإنسان السعودي «المواطن» وانتهى به، بهمومه، وتنميته وبتقديم حاجاته، وتطلعاته، وتفضيلاته. بعبارة أخرى الرسالة كانت في هذا الخطاب بجلها موجهة للإنسان. وكانت بداية الرسالة والخطاب التأكيد على الثوابت التي تقوم عليها البلاد العربية السعودية، الدولة، والمجتمع. وهذه الثوابت محددات لصناعة سياسة هذه البلاد الداخلية، والخارجية، وهي ببعديها الروحي والعملي غدت أطرا لمصداقية العمل السياسي السعودي عالمياً، وبينتها القيادة في إشارات مركزة بكتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، وحماية المقدسات الدينية وصيانتها، وحماية المجتمع السعودي وتعزيز رفاهية الناس فيه. في إشارة خادم الحرمين الشريفين للأوضاع الداخلية كان هناك تركيز على معاني الاستقرار، والمحافظة على تركيبة البنية الاقتصادية، عبر تنويع مصادر الدخل، وتحفيز محركات التنمية، بما يضمن مسيرة مستقرة ضمن بيئة العمل الاقتصادي الدولي. وربما تعدى الحديث هذه النقاط الجوهرية إلى عمق التجربة والتحرك السعودي الذي يتبنى الإصلاح الاقتصادي، كضرورة للتعايش مع صعوبات الحاضر، وحقائق المستقبل ومعطياته. وأكد ذلك الإشارة الواضحة للرؤية السعودي 2030 كإطار عام لمقاربة هذه التطلعات بشكل عملي.وبإشارة ملفتة زاوج الخطاب وبتدرج سلس بين الوضع الداخلي وتلمس طبيعة المتغيرات الدولية سياسيا، واقتصاديا. وفي هذه الجزئية بين الخطاب وبثقة عالية قدرة الدولة والمجتمع السعودي على التكيف مع المتغيرات العالمية، التي حوت عددا من الصعوبات والتحديات، وكانت الخطوات السعودية تلتزم بمبادئ وضرورات التطوير وفي ذات الوقت تحافظ على المنطلقات الرئيسية التي لا يمكن الحياد عنها كبلد مسلم وسطي ينبذ قولا وعملا التطرف، ويجافي الغلو. هذه هي المعادلة التي كانت نصب أعين السعوديين في مقاربتهم للعمل الدولي والداخلي. ويأتي تأكيد القيادة عليها اليوم وفي هذا الخطاب، وفي هذا المكان- أي مجلس الشورى- كضرورة من ضرورات البقاء.الخطاب وبكمية الثقة التي حملها نبه إلى الأخطار الحالية وأبرزها خطر وآفة الإرهاب، الذي يهدد منطقتنا، والعالم، ويهدد المجتمعات المعاصرة، ويقوض أمنها. لذا كان هناك تأكيد صريح على نبذ الإرهاب ومحاربته، والتأكيد على أن ضرورات استقرار المنطقة تحتم السير في طريق إطفاء الحرائق الملتهبة في محيطنا العربي ولعل الإشارة إلى الوضع في الشقيقة اليمن والالتزام بأن استقرارها وأمنها من استقرار وسلامة المملكة العربية السعودية إشارة بارزة إلى عنصرين تجب مواجهتهما، الأول الإرهاب، والثاني القوى الطامحة إلى بناء أدوار وأمجاد على حساب القوة والمنظومة العربية وتفتيتها، وهي الإشارة الأبرز لدولة إيران وما تقوم به من دور سلبي واضح على أمن واستقرار المنطقة العربية في اليمن وغيرها.الخطاب لم يغفل ثوابت وقناعات المملكة العربية السعودية في رؤيتها الدولية لدورها كعضو فاعل في المنظومة الدولية، وعضو له أهميته في المحيط العربي والإسلامي، وذلك عند ما أكد على حرص المملكة على استتباب الأمن والسلم الدوليين، وإعلاء قيم ومفاهيم التسامح والتعايش بين شعوب المعمورة، والتأكيد على اللجوء، ودائما إلى الحلول السلمية لحل النزاعات والخلافات بين الدول. هنا المملكة تقدم نفسها للعالم عبر هذه المنطلقات والثوابت، والعالم يعرف درجة المصداقية التي تمارس بها هذه البلاد أدوارها الدولية.التاريخ لم يكن غائبا عن خطاب الملك سلمان في هذه الدورة، وأيضا الرسالة التي من المفيد توجيهها إلى أجيال الحاضر من السعوديين، والسعوديات واستعراض تاريخ الدولة السعودية في مراحلها الثلاث، والصعوبات التي واجهت المؤسسين، والثوابت التي رسموها لأنفسهم في هذا الطريق الطويل الذي أنتج مجتمعا، ودولة. إطلالة القيادة- حفظها الله- عبر بوابة الشورى وبهذه الشفافية والاستعراض المركز لهموم الداخل وتحديات الخارج وتطلعات المستقبل تؤكد عندي مجموعة أمور، أبرزها: الاهتمام الكبير الذي توليه القيادة السعودية لهذه المؤسسة التي تلعب اليوم حلقة من حلقات تسيير العمل التنفيذي الرسمي بالصورة التي تضمن عددا من المعايير الضرورية لنجاعة العمل الحكومي الرسمي واستفادة الناس منه بما يعني تطوير أدوات التنمية وآليات التعاطي مع طرق ترشيد القرار. الأمر الآخر، أن هذه البوابة المباركة محط أمل وتطلع للمستقبل بأن تصبح إحدى أدوات العمل الوطني السعودي الذي يؤكد تلاحم الشعب والقيادة ويدفع عمليات التطوير والتنمية إلى الأمام بما يحقق الاستقرار والقوة والمنعة.الملك سلمان بدأ حديثه بالمواطن ودوره وأهميته في أجندة العمل الرسمي سواء كان سياسيا، أو اجتماعيا، أو اقتصاديا، وختم حديثه الضافي بإبراز أهمية المواطن، وحث منظومات العمل الحكومي على تلمس احتياجات الإنسان، ومصالحه وتطلعاته، هذه الرسائل المكثقة والمؤثرة تجاه الإنسان السعودي من قيادته غلفها الملك سلمان- حفظه الله- بالثقة بالله تعالى في مستقبل واعد وبالثقة بقدرة الإنسان السعودي على تحدي المصاعب والمحن.