التعليم.. و«تعب الطريق»
انتظرتُ أكثر من عام ونصف العام، لأسمع رأي معالي وزير التعليم، حول المناهج وحول آلية التعليم في بلادنا بشكل عام، إلا أن الوقت كان يمر دون أن نسمع للوزارة الأهم والأخطر من وجهة نظري على الأقل، لا همسا ولا جهرا، باستثناء الحديث عن الانتساب، ثم رجوع معاليه عن رأيه حول «قياس» ما قبل وصوله للوزارة، إلا أنني التمستُ له العذر على اعتبار أننا بحاجة إلى من يفعل أكثر ممن يتحدث، وإن قضية «جيلية» بهذا الحجم لا يمكنها استيعاب القرارات السريعة، وعندما كدت أن أقطع الأمل تماما من أن شيئا سيحدث في هذا المرفق الحيوي، الذي طالما بُحت أصوات الكثيرين بأنه بيت الداء والدواء إن أردنا لمجتمعنا علاجا وشفاء وصحة، وإن أردنا أن نفرش الواقع لرؤية جديدة يمكنها أن تأخذنا إلى حيث نحلم، ومثلما أوصانا أصحاب التجارب العبقرية التي نقلت مجتمعات بلادها إلى مواضع مرموقة، كمهاتير محمد، وخبراء مؤسسات التعليم الفنلندية التي زارتها فرق الاستطلاع تباعا منذ سنوات خلت، وعلى أيدي أكثر من مسؤول جاء متحمسا، ثم ما لبث أن انطفأ حماسه لأسباب تتصل بارتفاع أصوات المخونين على قلتهم ليس أكثر، ودُوِنت تجربتها في كراريس الوزارة، وربما تم تكريمها «حفظا» في خزائن الأرشيف. أقول: عندما فقدت الأمل جاء حديث معالي الوزير الدكتور أحمد العيسى قبل بضعة أيام، والذي أبدى فيه معاليه لأول مرة منذ توليه مقاليد الأمور في الوزارة عدم رضاه التام عن (المناهج الحالية)، و(المقررات العلمية) في الجامعات، مشيرا في تصريحه «المقتضب» إلى أن وزارته بصدد «فلترة» شاملة على المناهج، لتنقيتها من الأفكار الخاطئة، خاصة ما يتعلق بالإرهاب والتطرف والعنف، وأضاف في مشاركته في لقاء بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني: «إن المناهج الحالية لا تعطي فرصة للطلاب للتعبير عن أنفسهم بشكل جيد». ليس هذا فحسب، بل وصف العملية التعليمية بأنها لا تزال تسير في إطار تقليدي، وما قاله معالي الوزير العيسى بالتأكيد لا يحتاج إلى مفتي، فهو جزء من المسلمات التي يتفق عليها الجميع، حتى أصحاب نظرية المؤامرة، الذين ينتهجون سياسة «قابل الصياح بصياح تسلم» كلما هم أحد أو حتى تحدث عن تطوير التعليم، حتى أن الوزارة فيما مضى، وتحاشيا لذلك الضجيج، كانت تجري بعض عمليات تحديث المناهج دون إعلان، ودون أن تدرب معلميها عليها إلا أثناء سريان العام الدراسي مما أحدث الكثير من الفجوات في برامجها. وعموما، الآن الوزير تحدث عن «فلترة»، والفلترة تعني التنقية والفرز فقط دون الإضافة، وهذا لن يقدم ولن يؤخر كثيرا لأن الأمر يحتاج إلى عملية قيصرية، تستطيع أن تؤسس لجيل يعتمد على العلوم والرياضيات بشكل أكبر، وهذا فقط هو المنطلق الحقيقي للتنمية الحية، وهو الحاضنة التي يمكن أن تهيئ لاستيلاد العقلية العملية المناهضة للعقل الريعي، وتتمكن من تكريس ثقافة العمل القادرة على تبديل زاوية الرؤية وبوصلتها إلى الاتجاه الصحيح، بعد أن «تعب الطريق»، حسب تعبير الراحل طلال مداح، من أحاديث التطوير التي ظلت تراوح مكانها.