كلمة اليوم

الزيارة الملكية الكريمة للشرقية.. الوقت والقيمة والمحتوى

تركت زيارة خادم الحرمين الشريفين التفقدية للمنطقة الشرقية الكثير من الدلالات، سواء من جهة المدة التي استغرقتها، واستوعبت عديد الافتتاحات، وبرامج التدشين، ووضع الأساسات لجملة من المشاريع الوطنية الكبرى، التي شملت كافة أرجاء المنطقة «الدمام، الخبر، الظهران، الأحساء، والجبيل»؛ أو من جهة التوقيت، حيث تلقي اضطرابات أسواق النفط بظلالها على هذه الصناعة؛ أو من جهة المحتوى، الذي ارتكز إلى جانب مشاريع البنية التحتية للمنطقة على جانبين اثنين: الأول: الصناعات التحويلية البتروكيماوية، والثاني: مشاريع اقتصاد المعرفة، وهي دلالات بالغة الدقة إذ تُشير - بمنتهى الوضوح - إلى توجه الدولة «عمليا» عبر رؤية السعودية 2030 للانتقال بالاقتصاد الوطني إلى آفاق أخرى، والاستثمار في الصناعات التحويلية التي بدأتها الهيئة الملكية للجبيل وينبع، وإدراج النفط ضمن منظومة هذه الرؤية التي ستنقله كمادة خام في سوق الطاقة، يخضع لمنطق أسواقها وتقلبات تلك الأسواق، إلى عنصر استثمار متعدد السمات، ودعم ما هو قائم بالفعل من هذه المشاريع بالمزيد من التوسع فيها، لتغطي كافة الصناعات المتاحة التي تعتمد على النفط. لكن يبقى الجانب الآخر والأهم، وهو مشاريع اقتصاد المعرفة، والذي هيأت له أرامكو منذ سنوات خلت عندما قدمت للمجتمع برنامج «إثراء» المعرفي الذي استهدف الكشف عن المواهب مبكرا، والأخذ بيدها، ووضعها على سلم الابتكار بالتشجيع والدعم والمساندة اللوجستية، وتوفير البيئة العلمية الملائمة لاجتذاب تلك المواهب للاستثمار فيها، وتفكيك عقلية التعليم التلقيني الذي غالبا ما يؤجل الكشف عن المواهب المتميزة إلى آخر المراحل التعليمية، وقد تختفي تماما في سياق نمطية العملية التعليمية، لتكون الصدفة، والصدفة وحدها هي الباب الذي يفضي بها إلى المكان الذي تستحقه، لذلك تأتي أهمية مشروع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي، والذي يتكون من المكتبة، وبرج المعرفة، ومختبر الأفكار، ومتحف الطفل، والمتحف، والمسرح متعدد الوسائط، ومعرض الأرشيف، ومعرض الطاقة، وكلها تستهدف تطوير القدرات البشرية، وإتاحة الفرصة أمام المواهب الوطنية؛ لاستثمارها في مجال اقتصاد المعرفة، الذي بات اليوم يشكل الباب الأوسع في مجال الاستثمار الاقتصادي العابر للقارات والحدود على مستوى العالم، وقد هيأت له أرامكو صرحا استثنائيا في فرادته، وتقنياته الدقيقة وربطه عمليا وأدائيا بعناصر المستقبل وأدواته. وهذا التوجه الذي كرسته الزيارة الملكية الكريمة للمنطقة الشرقية، والثرية في توقيتها ومحتواها، وعناية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان - أيده الله- بكافة تفاصيل هذه المشاريع، يجعلنا نقف مباشرة في مقابلة العصر الجديد الذي بشرت به الرؤية، والتي تسعى للاستثمار في الإنسان السعودي، الذي سجل بكفاءته وموهبته حضورا لائقا على المستوى الدولي رغم ضيق حيز كشافات المواهب فيما مضى، عندما كان جل الاستثمار يذهب إلى الاقتصاد في الخامات، مما يبشر بالمستقبل القريب الواعد الذي سيعزز مسيرة الخير والنماء في وطن التجدد، وطن صناعة الرخاء بأيدي أبنائه، وهذه هي إحدى الرسائل الواضحة من هذه الزيارة شديدة الأهمية، واللافتة في توقيتها ومدتها ومحتواها، والتي سجلت لها قيمة تاريخية سيكون لها بالتأكيد أثرها في تاريخنا الاقتصادي والتنموي.