فهد السلمان

ماذا بقي من العراق؟

لستُ رياضيا بالقدر الذي يُخرجني من بيتي إلى مدرجات الملاعب لأتابع المباريات، أو يدفعني لضبط مواعيدي على جدول الدوري، وإنما أستمتع ببعضها متى أتيحت لي الفرصة، على اعتبار أنها جزء من المتع الفنية المتاحة التي يُفترض أنها تجمع الناس، وتدفع للمنافسة النظيفة، هذا قبل أن يتم تسييسها، أو توظيفها في المكائد السياسية من قبل البعض، مثلما حدث مؤخرا حول لقاءات منتخبنا الوطني مع المنتخب العراقي الشقيق، عندما اختار اتحاد كرة القدم العراقي بادئ الأمر اللعب في إيران بحكم أن الفيفا يمنع اللعب داخل العراق نسبة للأحداث الجارية، رغم إحاطته بموقف المملكة المبدئي الرافض للعب فرقها أو منتخباتها هناك أولا نتيجة لما تعرضت له من مضايقات متتالية، وانتهاء بالقطيعة الدبلوماسية التي نجمت عن العدوان الممنهج من قبل الغوغاء الإيرانيين على سفارة بلادنا في طهران، وقنصليتها في مشهد وإحراقهما مطلع العام الجاري، الأمر الذي أدى للدخول في مناكفات غير مبررة جعلت العراقيين يتخذون من ماليزيا في أقصى الشرق أرضا بديلة لهم في مباراة الذهاب نكاية بالمملكة حتى وإن عاقبوا أنفسهم بالبعد عن محيطهم، وهذا حقهم بالتأكيد، وكنا نتوقع أن الأمر انتهى عند هذه النقطة على أن تكون مباراة الإياب في المملكة، وبالتالي سيحل الإخوة العراقيون ضيوفا أعزاء على اخوانهم هنا، إلا أنهم رفضوا وأصروا على اللعب في أرض محايدة دون وجود أي ذريعة مقنعة، وبعد مداولات قررت محكمة كأس الدولية إلزام الفريق العراقي بإقامة مباراة الإياب في المملكة، وكنا سنبتلع كل ما حدث على أنها مناكفات رياضية ليس أكثر، لو لم يُصعد الاتحاد العراقي الأمر، وخلافا للمنطق ليشكو محكمة كأس إلى المحاكم الفيدرالية السويسرية، وكأن الجدل يدور حول ذهاب الفريق العراقي إلى إسرائيل، وليس إلى بلد شقيق ربما جاء إليه في غير مناسبة كل هؤلاء الرياضيين إما للعمرة أو الحج أو لأي أمر آخر، وهنا فقط يجب أن نسقط حُسن النوايا من حساباتنا، ونرمي قضية مماحكات الرياضيين في سلة المهملات، ونقرأ موقف الاتحاد العراقي الذي كان واضحا منذ البداية لكل من يتابع مجريات الأحداث هناك سياسيا وعسكريا واقتصاديا، لندرك أنه للأسف حتى القرار الرياضي لم يعد بيد العراقيين بعدما بلغ السطو الإيراني مداه ليأخذ كل شيء، ولم يبق من العراق العربي أي شيء. ما الذي كان يمنع الأشقاء العراقيين من لعب مباراة الذهاب مع منتخبنا في عُمان، أو حتى الجزائر أو أي بلد عربي آخر، لو لم تكن إيران هي من يقف خلف هذا القرار؟، ثم ما الذي بيننا وبين أشقائنا هناك ليرفضوا لعب الإياب في بوابة مكة المكرمة؟، وأخيرا ما الذي يدفعهم الآن لكل هذا التشنج لرفض قرار محكمة كأس رغم يقينهم بأن أحكامها نهائية؟، لو لم تكن إيران قد تغلغلت في كل مفاصل العراق لتصل إلى هوامش الرياضة، وفي مشاهد زوار كربلاء وإخضاع أهلها لتقبيل وتنظيف أقدام الزوار الإيرانيين اتساقا مع التشيع الصفوي الذي تحدث عنه الدكتور علي شريعتي، وحسن العلوي وغيرهما، وما يجري في الحشد الشعبي في ريف الموصل، ما يجعلنا نتساءل بمرارة: ماذا بقي لنا كعرب من العراق؟