المملكة والبحث عن السلام بأخلاق الفرسان
حينما يُغمض العالم عينيه على ما يجري في حلب والغوطة الشرقية من عمليات تقترب من صفة الإبادة، ويفشل حتى في إضفاء هدنة مؤقتة تتيح الفرصة لإيصال المساعدات الطبية والغذائية للمتضررين من الأطفال والعجزة والنساء، ويقضي الكثيرون من المصابين بالأمراض المزمنة بأمراضهم تحت الحصار، ونقص الأدوية، ودون أن يتحرك الحس الإنساني أو يستفيق ولو للحظات للحيلولة دون المزيد من الخسائر الفادحة، فإن هذا يعني- بشكل أو بآخر- أن هذا العالم، وخاصة من يملك منه قوى التأثير على الأرض، سيكون شريكا في هذه المأساة، حتى وإن لم يُرسل جيوشه للمشاركة فيها؛ لأن انشغال العالم بالانتخابات الأمريكية ومن ثم الفرنسية، وحالة الإتاحة التي وفرتها الفترة الانتقالية بين إدارتي أوباما وترامب للنظام السوري وروسيا وإيران والميليشيات المنضوية تحت لوائها ليمارسوا كل ألوان التصفيات والتغيير الديموغرافي، وكذلك انصراف الإعلام إلى ما يحدث في الموصل، كل هذا كان للأسف بمثابة رخصة مرور مجانية للنظام السوري لقتل شعبه، وهو ما سبق وأن حذرت منه المملكة في غير مناسبة بعيدا عن حسابات الاصطفاف السياسي، وإنما انطلاقا من محددات الحس الانساني، والضمير الأخلاقي الذي يفترض أن يأخذ على أيدي أولئك الطائفيين الذين يقاتلون تحت راية الثارات، ويرسلون قذائفهم إلى صدور الأطفال والعزل، ويهدمون بيوتهم على رؤوسهم دون وازع من ضمير أو رادع من خُلق. حتى الحروب لها أدبيات عرفتها المجتمعات على مر التاريخ، ولكن حينما يُختطف قرار الحرب لصالح بعض الدكتاتوريات والميليشيات التابعة لها، والتي فقدت القدرة على الإبصار أمام شهوة القتل على المذهب والطائفة، فإن تلك الأدبيات ستكون من سقط المتاع، لأن أيديلوجيا الطائفة التي اشتغلت عليها نظرية الخميني، وسوقتها في المناطق التي تواجدت فيها، جعلت أولئك المجندين لا يرون أمامهم سوى انتهاز أي فرصة لحصد المزيد من الارواح بصرف النظر عما إن كانت بريئة أم لا، وهي بالمناسبة ذات حالة السعار التي انتقلت لليمن بالتأثير الإيراني أيضا، حيث بات استغلال الهدن من قبل الحوثيين والمخلوع ليس لإيصال المساعدات أو تضميد الجراح، وإنما لإعادة الانتشار، والطعن من الخلف، وهو ما اتضح من خلال تلك الخروقات الفاضحة والمتكررة لكل الهُدن التي تم الاتفاق عليها. إن الخصوم الذين لهم هذه البشاعة من موت الضمير، والذين لا يهزهم استخراج جثة طفل مفصولة الرأس عن الجسد من تحت الأنقاض، لا يمكن أن يرضخوا لمفاوضات أو أي تفاهمات، لأنهم لا يعرفون سوى لغة القوة، وافتكاك أسلحتهم من أيديهم، وهذا ما يجب أن يعيه العالم المهتم بالقضية السورية واليمنية. والأشواط التي قطعتها المفاوضات معهم بالتي هي أحسن، قطعت الشك باليقين أننا أمام عصابات لا علاقة لها لا بالعهود ولا بما هو أحسن، ولا بالحس الإنساني، طالما وجدت فسحة لإطلاق رصاصة، ورغم هذا كله فقد ظلت المملكة في صف الحلول السلمية على الدوام لإنهاء النزاعات، لكن يبدو أن هنالك من لا يمكن أن يجنح للسلم إلا أن يُقاد إليه، حماية لما تبقى من الضمير والحس الإنساني، لذلك سيبقى عنوان خطاب هذه البلاد: البحث عن السلام رغم كل الخروقات بأخلاق الفرسان، فهل من مجيب؟.