مرض رعب المطر!
يحكى أن قرية كانت آمنة مطمئنة، يتحلى رجالها بمكارم الأخلاق وجميل الصفات، ولكنها كانت مصابة بمرض غريب عجيب، فقد كان بعض أهلها كلما رأوا سحابة نشأت أصيبوا بالذعر، فتغيرت وجوههم وجحظت عيونهم، وأخذوا يتحسسون رقابهم، وينظرون بشفقة لأولادهم!وقد أطلق بعض المهتمين اسم «مرض رعب المطر» على هذا المرض الغريب والنادر، فعادة بني البشر حب المطر، لأنه غيث وحياة ونماء!استرعت هذه الظاهرة انتباه أحد الحكماء، فقرر أن يبحث الموضوع، ويتحقق من سبب إصابة مرضى رعب المطر بهذا المرض العجيب!ومما يزيد الاستغراب، أن باقي أهل القرية كانوا محبين للمطر، فإذا تأخر عنهم بدأوا في التواصي بالاستغفار والاقلاع عن الذنوب، وهرعوا إلى المصليات يستغيثون الله بإلحاح أن يغيثهم ويرفع عنهم الشدة، فانقطاع المطر عندهم -كباقي البشر- شدة وابتلاء! فإذا أجيبت الدعوات، وتنزلت الخيرات، رأيت السعادة على وجوههم، والفرح في قلوبهم، يهنئون بعضهم ويتبادلون البشائر بقدومه حتى على من حولهم!إذن من أين جاء هؤلاء المرضى هذا المرض وليس في أهلهم ولا بني قومهم؟!فكر الحكيم وقدّر! وقرر أن يبحث الموضوع من أجل قريته! حتى لا ينتشر الوباء وتقع الكارثة، فلا يكره المطر إنسان سوي، ولذلك إما العلاج أو الإبعاد!بدأ الحكيم في الخطوة الأولى، وهي السعي لمقابلة المرضى ليسألهم عن السبب الذي أدى إلى إصابتهم بالمرض!حاول وحاول، ولكنه صدم عندما وجد أن لديهم خوفا أيضا من الشمس، ورعبا من مقابلة الناس، خصوصا أهل الفهم والإدراك!فهم قد ضربوا حولهم أسوارا، ووضعوا أمامها نوعيات خاصة من البشر، تسمع وتنفذ بطاعة عمياء، ولا تسأل عن شيء أبدا!بعد جهد جهيد استطاع أن ينفذ إلى أحد المرضى، ويستحلفه بالله أن يجيب عن سؤاله من أجله وأجل مجتمعه وأولاده: لماذا تخاف المطر؟!جحظت عينا الرجل، وتغير وجهه، وتحسس رقبته، ثم قال: هل تقصد الفاضح؟!سكت الحكيم مستغربا، فأكمل الرجل: نعم لا نحب المطر يا سيدي لأنه يفضح، وفضحه على مراتب، فالبعض يهدم المطر ما أوهم الناس إنه إنجازات فأخذ على ذلك مالا ومجدا، وبعضنا لا يحب المطر لأنه يبين سذاجته، وأن البعض تلاعب به فمرر ما بين المطر أنه لا يستحق التمرير، وبعضنا....!تغطت الشمس بالغيوم، فأصيب الرجل بالرعب وتجمد في مكانه، أما الحكيم فقد غادر المكان، وقد عرف السبب، وأنه لابد من العلاج، فالحالة مستعصية ولا تنفع فيها المسكنات!