ماذا يريدون؟
المستشرقون الروس كانوا أدوات لتنفيذ كثير من سياسات بلادهم الاتحاد السوفيتي السابق، ثم روسيا الاتحادية لاحقا في العالم العربي، فهم يأتون من حواضن صحفية وإعلامية وينغمسون في البلاد العربية كمراسلين لوكالات انباء مثلا، في الوقت الذي يقومون فيه بأدوار سياسية واستخباراتية وربما تجسسية، وفي بعض المراحل يكون الغطاء المناسب لهذه العناصر الدبلوماسية والعمل كمستشارين في سفارات الاتحاد السوفيتي المنتشرة في المنطقة العربية، من هذه الشخصيات البروفيسور أناتولي يوقورن الذي بدأ حياته العملية في الشرق في المركز الروسي في مدينة القاهرة مراسلا لوكالة نوفستي الروسية في ستينيات القرن المنصرم، ثم انتقل بعد ذلك للعمل مستشارا في السفارة الروسية في طرابلس الغرب بليبيا. المثير حول ما كتبه هذا الرجل في مذكراته التي صدرت في كتاب باللغة الروسية سماه «القذافي المجهول» هو انه حاول ان يجيب عن تساؤل كانت تطرحه الظروف الموضوعية للحال التي كانت تؤطر العلاقة بين الجانبين روسيا وليبيا او بعبارة أخرى القيادات الروسية وشخص القذافي، بما يفيد في النهاية الوصول لنتيجة هذا التعاون أي ماذا يريد كل طرف من الآخر؟ والأهم في هذه الحالة الافتراضية النظرية البحته التركيز على الشق الذي بين كيف كان الروس ينظرون للرجل، وماذا يريدون منه على وجه الدقة غير المعلن والمعروف للقاصي والداني من البحث عن نفوذ في المنطقة وجني مليارات الدولارات من صفقات السلاح؟السيد يوقورن بدأ حياته العملية في ليبيا في العام 1974م وجمعته بالقذافي لقاءات عدة كان في بعضها مسؤولا مباشرا ومفاوضا حول امور تخص بلاده واعمال السفارة في ليبيا، وفي أحيان اخرى كان مترجما من الروسية إلى العربية وبالعكس بين القذافي وبين عدد من المسؤولين الروس الذين زاروا طرابلس خلال فترة عمله التي امتدت إلى ستة أعوام. في وصفه للقاء الأول مع القيادة الليبية حينها ذكر انه قدم هدية عبارة عن مجموعة من الكتب الروسية المترجمة بعناية إلى اللغة العربية التي تتحدث عن الايدلوجية اللينينية الماركسية وهذا كان تقليدا روسيا يقدم لرؤساء الدول العربية في تلك الفترة، ويذكر انه فوجئ بأن القذافي كان لديه وعلى مكتبه كتاب «الدولة والثورة» للينين، وأنه اطلعه عليه وكان مليئا بالتعليقات الجانبية بخط القذافي شخصيا، هذا الموقف سجل ايجابيا من قبل الروس، وكانت هناك اشارات كثيرة إلى أن كتاب القذافي الأخضر تضمن عددا كبيرا من الافكار والمبادئ التي وردت في كتاب لينين المشار إليه. العجيب وربما غير الدقيق فيما نقلته تلك المذكرات الاشارة إلى النظام الذي كان سائدا في ليبيا إبان فترة الجماهيرية من اللجان الثورية والمجالس الشعبية هو نسخة من بنية المؤسسات التنظيمية التي كانت معروفة في الاتحاد السوفيتي السابق. وذلك لان التفسير الروسي للوضع في ليبيا مع قدوم ما يسمى بالضباط الاحرار إليها، أي إلى السلطة وادارتها في البلاد الليبية كان يقوم على فرضية انه لم يكن هناك سلطة مركزية في البلاد الليبية بشكل مطلق، وان الذين تصدوا للثورة كانوا يفتقرون للخبرة العملية في هذا الميدان. ومع ذلك كان الاتحاد السوفيتي يشاور ويستطلع رأي هذه القيادات المبتدئة في امور تخص السياسة الدولية وهم أبعد ما يكونون عنها، وربما هذا نوع من الإشعار بالاهمية الزائفة يمارسه الروس مع الدول الاصغر. وتشير المذكرات على سبيل المثال إلى أن السلطات السوفيتية كانت تطلب رأي القيادة الليبية حول امر ما في المنطقة او الشأن العربي، أو حتى الدولي وهذا ما يعرف بين الاصدقاء من الدول باستطلاع الآراء لتنسيق المواقف، المهم هو الطريقة التي كانت تجيب بها السلطات او الشخصيات الليبية على بعض هذه الاستفسارات، والتي غالبا ما يسأل الليبيون عن معنى وفحوى الموضوع او المعضلة الدولية محل السؤال، ثم يتم السؤال من جديد عن موقف روسيا من كل ذلك، وبعد الاستماع إلى اجابة الجانب الروسي تأتي اجابة المسؤولين الليبيين بأنهم يتبنون نفس الموقف والرؤية الروسية. وهذه اشارة او اعتراف ضمني ان القيادات الليبية والدائرة الضيقة حول القذافي في تعاملها الدولي كانت تفتقر إلى كثير من الخبرة في السياسة الدولية وطبيعتها.الروس كمسؤولين سياسيين في المستويين القيادي والمتوسط كانوا يحابون شركاءهم الدوليين من ابناء العالم الثالث والمنطقة العربية بشكل ظاهر ولافت، ومن القصص التي تؤيد هذه الجزئية ما حدث مع السيد «ألكسي كوسيجن» رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي في الفترة 1964 إلى 1980 في احدى زياراته لليبيا، وبعد ان تمت اللقاءات الرسمية دعاه العقيد القذافي إلى مأدبة في مسقط رأسه في سرت، واثناء اللقاء استأذنه القذافي في الخروج للصحراء لكي يناجي ربه. وعرض عليه مصاحبته إن هو أراد، فوافق الضيف الروسي وانطلق الجميع إلى الصحراء في الظلام وفجأة توقفت سيارة القذافي وترجل منها وتقدم الى عمق الصحراء بمسافة كافية وجثا على ركبتيه يناجي ربه حول ماذا وكيف يصنع لحل معضلات بلاده وتنمية شعبه. كل ذلك كان يجري امام انظار الجميع الذين كانوا يتابعون المشهد تحت اضواء السيارات. المهم لدينا الآن هو نظرة الروس والسيد كوسيجن لكل ذلك حيث وصفه بعمل بطولي شجاع يقوم به القليل في هذا الكون. ويقصد القذافي، هذا اذا عرفنا ان عقيدته السوفيتية ترفض كثيرا من كل تلك المعاني، الشيء الاهم التفسير الروسي الموازي الذي يقول ان ما يدفع القذافي لمثل هذه التصرفات تلوث المحيطين به بالنفاق والمحاباة وعدم القدرة على النصيحة والمشورة.القصة الاخرى والاكثر غرابة خلال احدى زيارات القذافي لروسيا، طلب الانفراد بليونيد بريجنيف رئيس مجلس السوفييت الأعلى حينها أي رئيس الدولة 1964-1982 بعد المباحثات الرسمية وطلب من المترجم إخباره بأن القذافي يعرض عليه الإسلام مقابل 2 مليار دولار أمريكي له شخصيا إن قبل العرض. الروس تجاهلوا الامر واعتبروه مبنيا على فهم من القذافي مؤداه ان إسلام بريجنيف يجعل البلدين اكثر صداقة وتحالفا. وهذا تبرير غريب بالفعل لان العلاقات لم تكن تشكو من شيء. وربما انهم فهموا ذهنية الرجل الذي كان يعتقد إلى حد كبير ان حل كل ما يواجهه من معضلات يكمن في بذل المال، وأن بعض الامور التي لا يحلها المال تحل ببذل مزيد من المال. في المقابل كان كل هذا التغاضي من الروس يعلل بترهات سياسية مثل ان الرجل كان داعما لهم في المنطقة وعلى الساحة الدولية ولمواقفهم السياسية وهذا جزء من الحقيقة التي جوهرها تدفق المال الليبي وبسخاء على صفقات شراء كميات من السلاح الروسي الذي يتحول مع الزمن، ومع قلة الاهتمام إلى اكوام من الحديد الخردة لا أكثر.