عضة القرض وتصنيف الديون
استوعبنا توجيه مؤسسة النقد العربي السعودي للبنوك بجدولة ديون القروض الاستهلاكية، تمشيا مع ظروف التقشف التي تشهدها المنطقة، لكن ما لم يستوعبه الكثيرون وأنا أحدهم استثناء قروض السيارات من الجدولة، رغم أني على يقين أنها تشكل الشريحة الأكبر من القروض، ثم من قال: إن قروض السيارات ليستْ استهلاكية؟. وبالتالي ما الحكمة من استثنائها من الجدولة؟، هل هو عقاب للمقترض لأنه تمادى وأراد أن يقتني سيارة تقلّه وتقلّ أسرته، أم لأنها لا تشكل أي ثقل على الراتب، لذلك هي خارج نطاق الجدولة؟، الذي نعيه أن القرض أيا كان نوعه سواء كان لبطاقة ائتمانية أو سيارة أو أي شيء آخر سيتم استرداده من الراتب، وبالتالي فإن علّة تدخّل «ساما» في الأمر لجدولة القروض يلزم أن تسري على كافة الديون ودون أيّ استثناءات، ونحن نتطلع ان تنظر البنوك الى هذا الموضوع انطلاقا من مسئوليتها الاجتماعية حتى تعظم مساهمتها في خدمة مجتمعها وأعتقد أنه ليس هنالك ظرف يمكن فيه اختبار دور هذه المؤسسات المالية «وطنيا» في خدمة المجتمع الذي طالما تربحتْ منه أقوى من هذا الظرف الذي نعيشه اليوم، ليس لإعفاء عملائها من القروض لأننا ندرك أنها ليست جمعيات خيرية، وإنما فقط لإعادة جدولة ديونهم بما يتناسب مع دخولهم بعد التعديل وخصوصا أولئك الذين يتشكل صلب مرتباتهم من البدلات كالعسكريين وأساتذة الجامعات ومن في حكمهم ممن بدا أثر ايقاف بدلاتهم على سير حياتهم. عفوا أنا لا أتحدث بلغة الماليين، أو المحاسبين، هذا ليس شأني ولا أجيده، وإنما أتحدث بمنطق المواطن الذي بدأ يئنّ من عضة القروض بعد ايقاف البدلات، لذلك كنت أفترض أن تكون هنالك مواقف أكثر مسؤولية من البنوك التي حققتْ موقعيتها وشخصياتها الاعتبارية من خيرات هذا الوطن، خاصة وأن القروض التي قدمتها لعملائها والتزموا بها قبل خفض رواتبهم ليستْ هبة ولا منّة، وإنما هي بفوائد مجزية، وليس أقلّ من أن تكافئ الوطن الذي لم يحمّلها أي ضريبة طوال الفترة الماضية بالتصدي لجدولة ديون كافة القروض دون تصنيف كجزء من مسؤوليتها تجاه مجتمعها. كثيرون قدّروا أن تأثير خفض الرواتب سيكون أقلّ ضررا على اعتبار أن الأسواق ستضطر للاستجابة لهذا الواقع الجديد، وستخفض أسعارها، لكن الذي حدث أن هذا التوقع كان مثل توقعات حالة الطقس في السبعينات «من صحو إلى غائم»، في ظل غياب دور وزارة التجارة وحماية المستهلك في مراقبة الأسواق، وليس أدل على ذلك من تلك الحملات التي تدعو لها السوشيال ميديا من حينٍ لآخر لمقاطعة بعض السلع والبضائع لتمسكها بالأسعار السابقة، بذريعة السوق الحر. لقد بدتْ آثار عضة القروض تترك أثرها فعلا في معيشة الكثيرين، ولابد من أن تتفاعل البنوك للتعامل مع الديون في الجدولة كسلة واحدة دون تصنيف، فالديون هي الديون سواء ما كان منها من أجل زواج أو ما كان من أجل شراء سيارة، إلى جانب ضرورة بث الروح مجددا في دور وزارة التجارة الرقابي والذي أصابه الاسترخاء لضبط الأسواق وفق هذه المتغيرات.