محمد السماعيل

شيء عن دبلوماسية التواصل

ثلة قليلة من المهاجرين العرب والمسلمين تقلدوا مناصب مؤثرة في المهجر حول العالم، منهم- على سبيل المثال لا الحصر- عمدة لندن الحالي «صديق خان» السياسي البريطاني المسلم من اصل باكستاني، الذي فاز بهذا المنصب عام 2016 م، ومنهم «محمد سروار» باكستاني الاصل الذي فاز في اسكتلندا عام 1979م عن حزب العمال في مجلس العموم البريطاني «British House of Commons»، وأصبح بذلك أول نائب مسلم يدخل هذا المجلس، وأيضا منهم المهاجرة المغربية «خديجة عريب»، التي اصبحت– هذا العام- رئيسة لمجلس الشيوخ الهولندي، وكذلك «ميشال إلياس تامر» أول شخصية من أصول عربية لبنانية تتقلد منصب رئاسة الجمهورية البرازيلية في عام 2016 م، وغيرهم الكثير، لا يتسع المقال لذكرهم، ولكن المهم في الأمر هنا هو أن عملية التواصل مع هؤلاء تعتبر نقلة نوعية في العمل الدبلوماسي، لأنهم أقدر من غيرهم على صرف توجهات الرأي العام إلى وجهة محددة ومرغوبة، وهم أقدر تعاطيا مع المتلقي في المهجر، لأنهم ببساطة على اتصال وثيق به.إذا إراد العرب والمسلمون إحداث ثورة في الاتصال والتواصل مع كل من يعتلي منصبا من أبناء الأمتين العربية والاسلامية في الدول ذات التأثير على مسار الاحداث العالمية من أجل نصرة قضاياهم العادلة بأهدافها السامية، وفتح آفاق التواصل التي أخفقت فيها الدبلوماسية الكلاسيكية «العتيقة»، فما عليهم سوى التواصل مع مثل هؤلاء.. وهنا اتساءل: هل تجاهل العرب والمسلمون هؤلاء، أم استفادوا منهم أعظم فائدة، أم لديهم الاكتفاء فيما يتعلق بالتواصل مع الآخرين ولا يحتاجون الى هؤلاء؟.إذا كان المسلمون والعرب يشعرون بالاكتفاء بما لديهم من تواصل، فهذا من اعظم الاخطار على مسيرتهم، لأن هذا الشعور أشبه بـ «المخدر» الذي يؤدي إلى الجمود وخمود الإحساس باليقظة، ومفعوله كمفعول الالقاب المخدرة التي تجعل صاحبها يتوهم الكمال ويكتفي بما وصل اليه، أو يشعره– وهما– بأنه الإنسان المتفوق، أو «السوبرمان» الذي لا يحتاج لأحد.الأمم الحية في حركة دائمة وتقدم وبحث مستمر عن كل ما من شأنه رفع شأنها وانطلاقها، وهؤلاء القادة يمثلون– في هذا الزمن بالنسبة لقضايانا العربية والاسلامية– فرصة جيدة لتناولها وطرح عدالتها أمام العالم، لأنهم أكثر وأقرب الناس فهما لعدالتها، ولديهم الاهتمام الواسع لفهمها، فحين يتناول هؤلاء قضايانا العادلة في مؤتمراتهم وندواتهم ومحاضراتهم سيشكلون نقطة تحول في الفهم العالمي لعدالة قضايانا، ما يجعل رقعة التفهم لقضايانا تزداد عالميا يوما بعد يوم ويشتد عود وصلابة مواقفنا.المشكلة الرئيسية بل أم المشكلات التي تواجهها الدبلوماسية «الكلاسيكية» في العالم النامي هي مشكلة عدم تبني الآراء والأفكار الجديدة المكتشفة في حقل الاتصال، بل هي مستمرة في «اجترار» الآراء والأفكار القديمة منذ قرون، ما أدى بها إلى الجمود، ويؤيد ذلك أن البيئة الدبلوماسية «الكلاسيكية» العربية والإسلامية ربما لم تستفد من هذه النخب المستنيرة، أو ربما كان تواصلها مع هذه النخب على استحياء فرضته البروتوكولات الدبوماسية «العتيقة» البائسة المكبلة للنشاط والتواصل، وهي– أعني الدبلوماسية الكلاسيكية «العتيقة»- تحتاج الى تجديد يتماشى مع التغيرات النوعية التي طرأت على الحياة الدبلوماسية في القرن الـ 21، لذا على الدبلوماسية الكلاسيكية الإفاقة من هذه الغيبوبة والتحرر من هذه القيود والبروتوكولات وكسرها أو تجديدها وترويضها، أو الإفلات من قبضتها من اجل خلق تغيير جذري وعميق في مجال التواصل، وذلك بالعمل على تكريس التواصل مع هذه النخب، بعيدا كل البُعد عن تلك البروتوكولات الدبلوماسية «العتيقة»، وهنا أدعو «الدبلوماسية» العربية والاسلامية إلى استشعار هذا الخطر والعمل على التحرر منه بممارسة أحد أهداف الاتصال والتواصل المعروفة، الا وهو «زيادة فرص التواصل والتفاهم مع الآخرين».