لا تكن واقعيًا أبدًا
لطالما نجد ما يغرينا على الاعتقاد بأن الحوادث والظروف هي التي تصنع حياتنا، وتشكل محيطنا الذي أصبحنا عليه، ولكن هذه هي كذبة الأكاذيب. عاش أحدهم مدمنا للمخدرات، ملاحقا من الشرطة لارتكابه عدة جرائم للسرقة والعنف، وانتهى به الأمر مسجونا يقضي عقوبة المؤبد لارتكابه جريمة قتل أحد الحراس. كان له ولدان بينهما سنة واحدة في العمر، كبر أحدهما ليكون مماثلا لوالده، مدمنا يعيش من السرقة وتهديد الآخرين، أما أخوه فقصته مختلفة تماما، فهو مدير إقليمي لإحدى الشركات الناجحة، يتمتع بزواج سعيد ولياقة بدنية عالية. ولقد لفت ذلك الاختلاف الشاسع بينهما فضول أحد الصحفيين، فاهتم بسؤال كل منهما على حدة «لماذا اتجهت حياتك بهذا الاتجاه؟» ومن المدهش أن كليهما أجاب بنفس الثقة: «وكيف يمكنني غير ذلك وقد تربيت على يد هذا الوالد؟».الحكاية ليست في المحيط ولا الأحداث التي تواجهنا، بل المعنى الذي نعطيه لهذه الأحداث، كيف نفسرها ونفهمها، فهذا ما يشكل من نحن الآن وماذا سنصبح عليه. إنها القناعات، تلك التي تدفع البعض ليصبحوا أبطالا بينما ينتهج آخرون حياة تتسم باليأس والقنوط، فهي القوة الدافعة التي تحدد لنا ما الذي يسبب لنا الألم أو المتعة، فعندما يواجهنا أمر في حياتنا تواجهنا أذهاننا بسؤالين، 1- هل هذا الشيء ألم أو متعة؟ 2- ماذا علي فعله لتجنب الألم أو تحصيل المتعة؟ وإجابة هذين السؤالين مبنية على قناعاتنا المستمدة من تفسيرنا للتجارب الماضية، وكثيرا ما ننسى أنها مجرد تفسيرات معرضة للخطأ والتعميم والاختزال، لكن الدماغ حين يتبنى قناعة يتعامل معها وكأنها حقيقة ثابتة أو قانون مقدس. كثيرا ما تتطور لدى بعض الناس قناعات تحد من قدراتهم حول شخصياتهم وإمكاناتهم، وهم يعتقدون أنهم لن يحققوا نجاحا في المستقبل ما داموا لن ينجحوا في الماضي ونتيجة لخوفهم من الألم يأخذون في التركيز باستمرار على أن يكونوا واقعيين، ومعظم الذين يكررون باستمرار «لنكن واقعيين» يعيشون في فزع من الإصابة بالإحباط من جديد، ونتيجة لهذا الخوف تنمو لديهم قناعات تدفعهم للتردد في تقديم كل ما لديهم، وتظل تجاربهم محدودة. أما الشخصيات العظيمة فهي نادرا ما تكون واقعية طبقا لمقاييس الآخرين، فما يعتبر واقعيا لمرجعية شخص ما يختلف عما هو واقعي بالنسبة لآخر. ولهذا ركزت الدراسات على الفروق بين المكتئبين والمتفائلين، حيث يعاني المتشائمون من التقيد بتجارب الماضي الفاشلة ويقعون في حالة العجز المكتسب المدمرة ذهنيا، في حين يبالغ المتفائلون في تقييم قدراتهم وتجاهل فشلهم ويعملون على قناعة مفادها أن الماضي لا يحكم المستقبل، وقادرون بقوة اليقين على ابتداع مستندات مرجعية متخيلة تساندهم في تحقيق أحلامهم.