فهد السلمان

البحث عن الضوء في جنح الظلام

كثيرون «مثلي» يستشعرون أن ثمة حلقة مفقودة، تتزايد الحاجة للبحث عنها في هذا الوقت المكتظ بالأحداث والمتغيرات والاحتياطات، والقرارات، لتصبح فرض عين، وليس مجرد واجب. القلق هو سيد الموقف، حتما سيكون الأمر كذلك طالما أن كل جملة لا بد وأن تنتهي بسؤال، وعلامة استفهام، حتى لو تطوع «تويتر وفيسبوك وواتساب» وغيرها باجتراح بعض الإجابات المعلبة أو المحتملة أو حتى الشاذة، إرضاء لرغبات الناس التي تميل بطبيعة الحال إلى تصديق ما تتمناه، وهنا تتقلص المسافة ما بين الإشاعة والحقيقة حد الالتحام، تماما ككائنين سياميين لا سبيل للفصل بينهما، وعندها يتحول المشهد العام إلى حالة سديمية متداخلة، وتبدو المسافات كقيعان من السراب الممتد الذي يحسبه الضمآن ماء. الحديث عن الشفافية يملأ الأرجاء، حتى يتوهم المرء أنه يعرفها، وأنه رآها رأي العين، وتأمل أهدابها.. مسد شعرها.. طاول قامتها، وربما اشتم عطرها المصنوع من خلاصة النقاء، والصفاء، والمعجون بنكهة الإيثار، وعصارة الوطنية، وقد يقول بعضهم وهما أنه وشوشها فبسمت له قبل أن يرى الماء وهو ينساب في نحرها. لكنه سرعان ما يكتشف أنه كان (فيما يرى النائم)، وأنه لم يصادف في كل خطواته سوى جثة كلمة هامدة لاكتها الأفواه حتى لم يعد لها أي معنى سوى أن تكون مسبوقة بنفي. طبيعي في مثل هذه الظروف أن يتداخل صخب أصوات «مكائن» طباعة الصحف، مع نغمات أزرار الأجهزة الذكية، مع «مايكات» منابر خطب الجمعة، مع ضجيج القلق المتحفز لأي معلومة أو نصف أو ربع معلومة مهما علق بها من أقاويل، أو تلفيقات، ومهما جنحت هنا أو هناك، لتختلط الصورة أكثر فأكثر، والمشكلة أن هذا يحدث في زمن الرؤية، دون أن ندرك أن أولى الأولويات لأي رؤية ناصعة أن نصحح النظر، أو نستعين بالعدسات المناسبة التي تصوب أنظارنا إلى الهدف الصحيح، بعيدا عن الغبش الذي يصنعه غياب الدليل والمرشد الذي يضع عدسات التصحيح في مكانها على العين، حتى لا يأخذها الانحراف إلى المكان الخطأ.بعض المقالات والخطب والتغريدات تدفعك إلى شفير الحرب، وحافة المجاعة، وشفا الجرف الهار، بحيث يهزك عبث الهواء بأحد الأبواب، وبعضها يأخذك إلى مواعيد جذلى بالمن والسلوى إلى أن تفشل في ضبط سيلان لعابك. بعضها يغرس في وجهك جبالا وتلالا وهضابا من الشؤم والرؤى السوداء، والبعض الآخر يبني لك جسورا من الأمل المجنح فوق كل المحيطات الهائجة، ويحثك على أن تستعير عيني زرقاء اليمامة لترى ذلك الضوء الذي يحلف لك بأغلظ الأيمان أنه يراه، ويريدك أن تراه، فيما البعض الثالث يريد أن يذبح بقرة، لكنه لا يزال ما بين كل إشاعة وإشاعة يسأل: ما لونها؟، ما شكلها؟ ما حجمها؟، ليظل يغسل كل إشاعة بأختها، دون أن يصل إلى أي صبح، ودون أن تشرق عليه أي شمس، ولتبقى بقرته في مرعاها تعبث بخوارها بتسلسل أحلامه ما بين الألم والأمل، ليصحو من منامه في الغد على ذات ما كان نام عليه في جنح الظلام.