كلمة اليوم

هل انتصر محور ما يسمى المقاومة؟

المشهد العام، ابتداء مما يجري في الموصل، واستعداد الحشد الشعبي على مشارفها لانتهاز الفرصة للعبث بديموغرافية المدينة، واستطرادا لما يجري في حلب، وتعزز فرص النظام بمساعدة الطيران الروسي لإخراج فصائل المعارضة من الجهة الشرقية من المدينة، واستردادها لصالح النظام، وأخيرا وليس آخرا وصول ميشيل عون الحليف الرئيس لحزب حسن نصر الله وإيران إلى كرسي بعبدا، بعد 26 عاما من خروجه منه. هذا المشهد في جملته وتفاصيله كأنما يوحي بانتصار محور إيران، وهي بالتأكيد معطيات طبيعية للواقع الأليم الذي فرضته السياسات الدولية، وتقاطع مصالح روسيا وأمريكا في نقاط معينة، دون أدنى حساب أو اعتبار لاستقرار المنطقة، ولا لحقوق الإنسان التي طالما تشدق بها الغرب ما لم تكن حجر عثرة أمام مصالحه. الغرب الذي التأم شمله على تخوم الموصل لقتال داعش التي تقتل الناس على المذهب، هو ذات الغرب الذي يغمض عينيه عن جرائم الحشد الشعبي الذي قتل الأطفال في تلعفر والفلوجة لذات الذريعة. الغرب الذي يرى في تلك الجماعات التكفيرية ما يهدد أمن واستقرار الكرة الأرضية برمتها، هو ذاته الغرب الذي كان قد صنّف حزب الله كحزب إرهابي، ثم هو الآن يقاتل معه جنبا إلى جنب لإخراج فصائل المعارضة من حلب. هذا ليس مجرد اختلاط للمعايير، ولا هو التباس في الرؤية، فدوائر صناعة القرار الغربي هي ذاتها حتى وإن تغيرت الحكومات، لكن الذي تغيّر هو أمران اثنان.. الأول: معايير المصالح، والثاني: نجاح دبلوماسية الحوار بين القطبين أمريكا وروسيا على الالتقاء رغم كل الاختلافات على قواسم مشتركة تجعل كل طرف يغض الطرف عن تجاوزات الآخر ما لم تتصادم مصالحهما مع بعض هنا أوهناك. الإيرانيون الذين لعبوا مع الطرفين بالبيضة والحجر، فاتفقوا مع الأمريكان على البرنامج النووي بعد التعهد بحفظ أمن إسرائيل، بل وحتى منع حزب الله من إيذاء منامها، ودفع الحزب إلى العمق السوري بعيدا عن الحدود التي كان يدّعي أنه يقاوم من خلالها، مع الإبقاء على خاصية شتم الشيطان الأكبر قيد التشغيل لزوم الاستهلاك المحلي فقط، ثم اتفقوا مع الروس كحلفاء إستراتيجيين، مما جعلها -أي إيران- تشكل حلقة الوصل بين الطرفين، بعد أن قدّمتْ خدماتها بسخاء لهما في وقت واحد دون أن تغضب طرفا على حساب الآخر، وهي لعبة في غاية الخطورة ليس لنفاقها فحسب من خلال الجمع بين طرفي النقيض، وإنما لأنها قائمة على تقديم فروض الولاء والطاعة لكل طرف على حدة، وهي بالنتيجة لا يمكن أن تستطيع المضي بعيدا في إرضاء موسكو وواشنطن بنفس الوقت؛ لأن العلاقة بين العاصمتين ينطبق عليها مثل العلاقة بين الجنة والنار، فكلما اقتربتَ من إحداهما ابتعدتَ عن الأخرى، رغم أنه لا جنة في أي منهما، وتأسيسا على هذه المعادلة التي سوّقتْ لها التقية السياسية التي تجيدها طهران، فإن ما يبدو أنه انتصارات لمحور ما يسمى بالمقاومة، لا يعدو كونه على المدى المتوسط وليس البعيد أكثر من بناء قصور من الرمل على حافة شاطىء المحيط، ما تلبث أن تتهاوى مع أول موجة عارمة تتضارب فيها مصالح التماسيح التي لا تشبع.