حسن السبع

ثلاث وقفات «تراجيكوميدية» للتأمل

¿¿ لم يَقمْ له أحد..نقول: «المرء بأصغريه قلبِه ولسانِه»، لكننا نؤخذ بالمظاهر والهيئات، وتخدعنا الأقنعة، فنناقض بذلك تلك القناعة. قال أبو محمد الأزدي: كنت يوما في حلقة أبي سعيد السيرافي (نحوي عالم بالأدب ت: 348هـ) فجاء ابن عبدالملك خطيب جامع المنصور وعليه السواد والطويلة والسيف والمنطقة (يعني آخر أناقة وشياكة وهيبة)، فقام الناس إليه وأجلسوه. فلما جلس قال: لقد عرفت قطعةً من هذا العلم وأريد أن أستزيد منه، فأيهما خير سيبويه أو الفصيح؟ فضحك الشيخ ومن في حلقته ثم قال: يا سيدنا (محبرة) اسم أو فعل أو حرف، فسكت ثم قال: حرف. فلما قام لم يقم له أحد! «فلمَّا قامَ لم يقمْ له أحد»! هذا هو بيت القصيد في هذه الحكاية. فقد كانت هيئة خطيب جامع المنصور قناعا يخفي وراءه ضحالة، ويمكن للمتأمل في حياتنا اليومية أن يرصد أقنعة اجتماعية ولغوية كثيرة؛ أقنعة يرتديها الناس في تعاملهم اليومي، وقد تخفي وراءها نقائضها وأضدادها في المعنى. ولإزالة تلك الأقنعة قال سقراط عبارته الشهيرة: «تكلم حتى أراك»! ¿¿ قراءة خاطئة..يروى عن ابن الأعرابي أنه قال: خاصم الشاعرُ أبو دلامة رجلا إلى عَافِيَه القاضي، ولما دخل عليه أنشده أبياتا منها قوله: «فمن كنتُ من جوره خائفا.. فلستُ أخافك يا عافيه!» فقال له عافيه: لأشكونَّك عند أمير المؤمنين! (يعني بذلك الخليفة المهدي العباسي الذي ولاّه القضاء على بغداد) قال أبو دلامة لم تشكوني؟ قال: لأنك هجوتني. قال: لئن شكوتني إليه ليعزلنَّك! قال: لم؟ قال: لأنك لا تعرف الهجاءَ من المديح! أراد أبو دلامة بقوله: «لستُ أخافك» أنه لا يخاف جور القاضي عافية، فهو عادل. وفي حضرة قاض عادل ينتفي الخوف. لكن عافية لم يفهمها على هذا النحو، رغم وضوحها، بل فهمها على أنها تقليل من هيبته وشأنه. والمشكلة هنا هي مشكلة قراءة بالدرجة الأولى. ذلك أن القراءة المبتسرة تؤدي إلى فهم مبتسر وأحكام واستنتاجات مشوّشة. والعامل الثاني المسبب لهذه القراءة الخاطئة هو غلبة سوءِ الظن بالمتحدث أو الكاتب.وبعد، إذا لم نتقن «فن القراءة» فسنتحول جميعا إلى «عوافي» نجور على النص، ونحمله ما لا يحتمل. ¿¿ الجديد في علم الإشارة سئل مخرج غربي: لماذا اعتزل الإخراج فقال: «قررت أن أتناول قبعتي من المشجب وأرحل قبل أن يعطيني إياها أحد». أراد هذا المخرج أن يقول: بيدي لا بيد عمرو. وعلى مسرح محيطنا العربي يتشبث الكومبارس بموقعه، فلا يرحل ولو ناولته قبعته، فإذا رميت القبعة في الطريق اعتبر ذلك مجرد دعابة، وفي أحسن الأحوال قد يعتبر ذلك تلميحا له بالرحيل.لا يريد هذا المخرج أن يكون ضيفا ثقيلا، كما في الحكاية الشعبية التالية: كان المسافر قديما يصطحب معه فراشه. وقد حل أحدهم ضيفا على أحد معارفه. فحظي في الثلاثة الأيام الأولى بكرم الضيافة. في اليوم الرابع تراجعت الضيافة فألغيت وجبة الفطور. وفي اليوم الخامس اكتفوا بوجبة العشاء، وفي اليوم السادس بات الضيف جائعا. وفي اليوم السابع رموا فراشه في الطريق. أخذ الضيف فراشه ورحل، وفي الطريق سأله أحدهم: إلى أين يا فلان؟ قال الرجل: «الجماعة أشَّروا». ترى ما هو رأي العالم اللغوي فرديناند دي سوسير في هذا الجانب من علم الإشارة؟ وبعد: للقارئ حرية إسقاط هذه اللقطات التراجيكوميدية الثلاث على كثير من الحالات في حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية الحاضرة.