عن مقالتي الوزيرين الجبير وظريف
أعود لموضوع قاومت الرغبة في الكتابة عنه، إلى أن غدا إطفاؤها غير ممكن، كما لا يمكن نسيان أني تمنيت لو أن معالي الوزير عادل الجبير لم يرد على مقالة وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف، أو أنه اختار طريقةً وزمناً آخرين. وتمنيت أيضا وهو يواجه بمقالته/ قصته عن «سجل إيران الإرهابي» القصة التي يرويها ظريف عن علاقة المملكة بالإرهاب، لو أنه تذكر أن كل قصة تستهدف التأثير في المتلقي، وأن حدوث التأثير لا يعتمد على المضمون فحسب، بل يسهم الخطاب في حدوثه، وأقصد بالخطاب الـ(كيف)، كيفية سرد المضمون. اختار ظريف لنشر مقالته في (نيويورك تايمز) لحظة زمنية، كان يتوقع أن يكون لها دور كبير في التأثير على القارىء: الثالث عشر من سبتمبر، والشعب الأمريكي بين حدثين فارقين في تاريخه: ذكرى (11 /9)، وانتظار ما يؤول إليه مشروع «جاستا». كان يراهن على استمالة القارىء إليه، وتقبل طروحاته. وقد سعى لتدعيم ذلك بعنوانٍ يتماهى به مع القارىء، ويدعوه إلى التضامن لمواجهة سبب الكارثة: «لنُخلص العالم من الوهابية». وينبسط تحت العنوان مستطيل أخضر يُشكل خلفيةً لسيف أبيض، يتقاطع مع «رشاس» حل محل «الشهادتين»، بهذا يتشارك العنوان والصورة في إيصال الرسالة للقارىء، وما يرد في المتن ايضاح وتدعيم لها. يستهل ظريف قصته بجملة تعميمية تُذكر بالعبارات السردية الاستهلالية في بعض الروايات، عبارات تعميمية تقدم الآراء ووجهات نظر وكأنها حقائق مطلقة، حيث يقول إن شركات العلاقات العامة لا تتردد عن أخذ البترودولارت الملوثة. ومن آخر مشاريعها، يقول- متماهياً ومؤكداً مشاركته المعاناة مع قرائه الأمريكان - هو «إقناعنا» أن جبهة النصرة لم تعد إرهابية بانفصالها عن المنظمة الأم «القاعدة». المشكلة بالنسبة لزبائن هذه الشركات -السعودية غالباً- هي أنه لا يمكن محو الدليل على سياساتهم المدمرة بالفوتوشوب، فالوهابية الجهادية غيرت وجهها مرات ولكن الأيديولوجية لم تتغير. أما الوزير الجبير فقد اختار لمقالته التي نشرها بتاريخ (18 /9) في (وول ستريت جورنال) العنوان: «إيران لا تستطيع تبييض سجلها الإرهابي». يبدو أن الوزير الجبير لم يفكر في استمالة القارىء الأمريكي في شهر الفاجعة، الذي وصل فيه الضغط الشعبي ذروته من أجل إقرار «جاستا». تقع عيون القارىء، تحت العنوان، على صورة قادة العالم الإسلامي في قمة منظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول. صورة يمكن استبدالها بأي صورة أخرى. ويستهل الوزير مقالته بمقولة كان يرددها رونالد ريغان عن جون آدمز:«الحقائق أشياء عنيدة». لا أعتقد أن استحضار ريغان مناسبا في الرد على الوزير الإيراني: ريغان هو من واصل دعم الجهاد الأفغاني الذي ولدت «القاعدة» من رحمه؛ ريغان التف على حظر الكونغرس بتمويل «المجاهدين» بعوائد بيع المخدرات التي ضبطتها (إف بي آي) في السوق السوداء، ولا يمكن نسيان فضيحة ايران كونترا. ثم ينتقل الوزير الجبير للتذكير بتلوث يدي إيران بالتفجيرات الإرهابية في الخبر وبيروت، ناسيا اللحظة التي ينشر فيها مقالته. كان ضروريا التفكير في إرساء مقالته في الحاضر، والشعب الأمريكي يعيش وجع ومرارة المأساة. بلغ عدد التعليقات على مقالة الوزير (126)، و(743) تعليقا على مقالة ظريف. وبلا شك كان للوقت و(الكيف) تأثير كبير، كما كان لضيق المساحة تأثير على قراءتي للمقالتين.