خليل الفزيع

مظاهر الحياة في المدن القديمة

قليلة هي الكتب التي تهتم بدراسة مظاهر الحياة في المدن القديمة، رغم اهميتها التوثيقية، ودورها في اطلاع الأجيال الجديدة على ما كانت عليه الحياة في ماضي مدنهم، وما طرأ على نطاقها العمراني من توسع، وما دخل على هندستها المعمارية من تغير ليس بالضرورة إلى الأفضل، فالعمارة القديمة اتسمت بانسجامها مع الظروف المناخية والديموغرافية السائدة في كل مدينة، ومع مرور الزمن فقدت المدينة العربية تلك الملامح، بعد سيطرة النموذج الغربي على هذه المدن بحجة الحداثة أو مواكبة العصر، حتى كادت ملامح المدينة العربية تنحصر في بعض الأحياء والتي تمت المحافظة عليها لأغراض سياحية بحتة. ترسم صورة الماضي، قبل أن تتوشح هذه المدن برداء الحاضر. الهفوف أكبر مدن الأحساء.. هي واحدة من تلك المدن العربية التي لبست ثوب الحداثة، بحكم التطور والازدهار الاقتصادي الشامل في المنطقة، ويتضح ذلك جليا في أحيائها الجديدة، ومبانيها الأنيقة، وشوارعها الكبيرة، وأسواقها المزدحمة، وحركتها التنموية الدائمة، وهذه هي الهفوف كما تراها الأجيال الجديدة من أبنائها، لكن كيف هي الهفوف في الماضي؟.هذا السؤال وأسئلة كثيرة غيره.. يجيب عنها كتاب «مدينة الهفوف» (مدخل حضاري لدراسة مظاهر الحياة في مدينة الهفوف بمحافظة الأحساء). تأليف د. محمد جواد الخرس. الذي يقول في مستهل كتابه: (تعتبر الأحساء من أبرز الحواضر الإسلامية في الجزيرة العربية، وقد تميزت خلال تاريخها القديم والحديث، بأنها منطقة جذب حضاري، حركت همم الباحثين لرصد العديد من معالمها الحضارية، وقد تخصصت بعض الكتابات تأثير اكتشاف النفط عليها؛ لكونه عاملا مهما أحدث انعطافة كبيرة على مسيرتها الحضارية). ولا شك أن رصد ظواهر الحياة في واحة كالأحساء، وتحديدا في مدينة الهفوف.. يحتاج إلى جهد غير عادي، وخاصة حين مقارنة فترة ما قبل النفط، بما تلاها من فترات التطور التي أسست لها الوفرة الاقتصادية الناتجة بعد اكتشاف النفط، وتأثير ذلك على جميع مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والعمرانية، وقد حدد المؤلف أهداف دراسته بأنها تسعى (لرصد مظاهر التغير في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والعلمي في مدينة الهفوف، خلال تاريخها المعاصر، مع إعطاء مزيد من التأكيد على المنعطفات الزمنية بما حوته من مؤثرات اقتصادية حادة، ساهمت في تشكيل وصياغة مجتمع الأحساء في صورته المعاصرة) ولتأكيد هذه الأهداف وسع المؤلف دائرة الدراسة في ستة فصول، حيث أفرد الفصل الأول للإطار العام لدراسته، أما الفصل الثاني فهو عن التعريف بالمصطلحات والكلمات العامية ذات العلاقة بمظاهر الحياة في الأحساء، أما الفصل الثالث فهو عن واحة الأحساء، ويتحدث عن جغرافية الواحة وطقسها وتضاريسها، ويتناول الفصل الرابع ملامح الحياة الاجتماعية لسكان مدينة الهفوف بما في ذلك من تقاليد وعادات وأساليب حياتية مختلفة ونشاط اجتماعي متنوع، ولهجات متداولة، وفي الفصل الخامس تحدث المؤلف عن ملامح النشاط الاقتصادي كالتجارة والزراعة والصناعات التقليدية، أما في الفصل السادس والأخير فقد تم التركيز على الحياة العلمية والتعليمية والأدبية والمذهبية، إذ عرفت الأحساء بتعدد المدارس الدينية لكل مذهب، مما ساعد على انتشار روح التسامح بين أبنائها لتكون مثالا يحتذى للمدينة الأكثر ألفة وتعاونا ومحبة بين أفراد مجتمعها. حيث إن (التدين كضابط اجتماعي إيجابي لسلوك الأفراد.. واقع ملموس في حياة أفراد سكان مدينة الهفوف، وذلك يعود إلى كثرة بيوتها العلمية - على مستوى المذهبين - وكثرة مراكزهم ومؤسساتهم الدينية). حتى أصبح التسامح سمة تسود العلاقات بين أبناء الأحساء، بمدنها وقراها العديدة، وليست مدينة الهفوف فقط. إذ تزخر مناسباتهم الاجتماعية، مجالسهم المفتوحة، بروادها من السنة والشيعة، وساعد تقدم الوعي بين ابناء الواحة على تأصيل قيم الود والمحبة بينهم، ويمثل فن «الاخوانيات» بين شعرائها هذا المنحى الإنساني النبيل، حيث تفيض أشعارهم بالمعاني العاطفية الجياشة، المعبرة عما في نفوسهم من محبة وحرص على وحدة المجتمع، ونبذ أسباب الخلاف بين أفراده.هذه هي مدينة الهفوف، بل هذه هي واحة الأحساء كما يقدمها ابنها د. محمد جواد الخرس. في كتابه القيم هذا، وبصفحاته التي تزيد على 400 صفحة. بما اتسم به المؤلف من جهد الباحث الرزين، والكتاب من عمق الدراسة الجادة الرصينة.