ما تعريف الشر؟
مؤكد أن كثيرا من الناس سيختلفون في تعريفهم للشر، وأصحابه ومصادره والأفعال المتصلة به، وحتى ذلك الاختلاف سيكون بأنماط مختلفة تماما في كل بيئة ولدى كل فئة ومجتمع وثقافة. لكننا سنحاول تبسيط الأمور من خلال استعراض نشأة «الشر» بوصفه سلوكا أو أحداثا تحصل للإنسان أو حتى للكائنات الأخرى والطبيعة، وأيضا بالتعرض للمفهوم عن ذلك السلوك أو الأحداث، وتبعات تلك المفاهيم في الثقافات المختلفة ونتائج تطوراتها. فهل الشر قرينا للإنسان وبقية الكائنات، التي قد تصنف الشر ضمن حدود سلوكها أو سلوك الآخرين، نشأ معها جميعا منذ وجودها على الأرض، أم هو طارئ في فترة ما من تاريخ الكائنات الحية، وتطور من تطورات الحياة على الأرض؟ إذا نظرنا إلى ضرورات العيش لأي كائن منها على الأرض، ومدى وجود بعض الكائنات الأخرى، التي تعتمد على الأولى في غذائها، فإن الأخيرة ستكون خطرا على الأولى، وربما تصنفها الأولى بأنها مصدرا للشر (الذي هو في هذه الحال التهامها، أو قتلها على أقل تقدير). ومن هنا سيكون الشر قرينا لوجود الحياة على كوكب الأرض، لكن هذا المفهوم ليس هو ما استقر في فلسفات الحضارة البشرية المتفاوتة. فسنحصر الحديث عن صفات الشر، التي يتفاوت بها كائن عن كائن آخر من نفس النوع، أو لنقل إنسان عن آخر على وجه التحديد. هذه في ظني بدأت مع تكاثر البشر، وتنافسهم على مصادر العيش المختلفة، مما جعلهم يقتلون بعضهم بعضا للاستئثار بتلك المصادر لهم بمفردهم، أو شن الحروب لطرد جماعات بعينها عن أماكن يريدون العيش فيها، مع وجود الأعراض الجانبية لذلك السلوك الفردي والجمعي، بانتشار أفكار الجرائم المتعددة لدى أفراد المجتمع بصور يجعل بعض مرتكبيها ينمون في دواخلهم نوازع شر تجاه الآخرين، ويمارسون العنف أو الكذب والخداع، للحصول على مكاسب. فيكون بذلك الشر طريقا للعيش الرغيد، سواء تعلق الأمر بالجرائم الفردية تجاه أفراد آخرين، أو عمليات الفساد المالي والإداري، التي أصبح المؤهلون لها نفسيا وأخلاقيا يتعلمون طرقها، أو يجدونها سهلة في الأنظمة الاجتماعية والسياسية لدى كثير من البلدان، النامية أو المتخلفة منها على وجه الخصوص. ولن يغفل منصف أن للثقافات الخاصة،، دورا في تأجيج بذور الشر اتجاه الجماعات الأخرى، التي لا تنتمي إلى ذلك الدين أو تلك الثقافة الخاصة. ولازدياد البشر في المدن الكبرى بصورة أكثر دور في جعل تلك البذور تزدهر، وتتلقفها بعض الجماعات الإجرامية المنظمة، لتكسب أعضاء وتزداد قوة وقدرة على انتزاع المكاسب من النخب المهيمنة. فإذا استلهمنا إبداع الشاعر الفرنسي العظيم بودلير في ديوانه «أزهار الشر»، سنجد أنه عبر بصورة فريدة قلما أمكن وجودها في القرن التاسع عشر الميلادي عن الرغبة في استيعاب العديد من تناقضات الحياة اليومية في المدن الكبرى مثل باريس. ولكونه عاش في فترة كانت تعج بأسماء لامعة في الفكر والفلسفة والعلوم والأدب، مثل: نيتشه، وهيجل، وكانط، وكارل ماركس، وفيكتور هوجو، وأوغست كونت، وداروين، وشوبنهاور، وغيرهم، فقد أظهر أفكار الشر بوصفها حدودا لكل ما يصفه هؤلاء المفكرون بالجنون أو العبقرية أو الإبداع. وعودة إلى عصرنا الحاضر، فهل تغيرت السلوك والأحداث أو المفاهيم؟ أظنها تغيرت، ولكن إلى الأسوأ، لأن أعداد الناس تتزايد والموارد تتناقص، والأديان والثقافات الخاصة تتوالد. وما نشهده في الشرق الأوسط حاليا، هو ثمرة لتطور الشر عند الإنسان إلى أقصى مداه، فهل أراد المجتمع الدولي جمع الأشرار في منطقتنا، لتسهيل القضاء عليهم مرة واحدة؟.