حسن السبع

ما الذي يمنح المكان جاذبيته؟

«عبقرية المكان».. رسخ هذا العنوان بالذاكرة في مرحلة مبكرة. كان ذلك في نهاية الستينيات من القرن الماضي، وكان عنوانا لكتاب جمال حمدان (شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان). وفيه تناول المؤلف الميزات والصفات والملامح التي شكّلت شخصية مصر، ومنحت ذلك الحيز الجغرافي تميزه وتفرده. واعترض بعضهم على هذا التعبير باعتبار أن العبقرية صفة للإنسان، فهو الذي يشكل شخصية المكان. ذلك أن الأماكن قد تتشابه جغرافيا واقتصاديا، لكنها تتفاوت اجتماعيا وثقافيا. مع ذلك، فإن الأماكن كالأشخاص في بعض الصفات كالرقة والجفاف، والبشاشة والتجهم، والحركة والسكون، والانفتاح والتزمت. وكما يشعر المرء بالملل في حضرة بعض الأشخاص، ينتابه الشعور نفسه في (سأم ـــ ستان) ويشعر بالبهجة والانتعاش في (فرح ـــ ستان). ويظل الإنسان، أولا وأخيرا، مصدر التفاوت، وصانع ذلك التفرد. كذلك، توجد علاقة طردية بين الانفتاح والتحول، وبين الانغلاق والثبات. وفي حين تشرع بعض الأماكن أبوابها لكل جديد، تتردد أماكن أخرى في استقبال أي شيء مخالف لما ألفته. وهذا ما يفسر ازدهار الحياة الفنية والأدبية والفكرية في الأجواء الثقافية المفتوحة. في مثل تلك الأجواء يمكن أن تتجاور التوجهات والانتماءات المختلفة، وتتاح المساحة للتقليد والتجديد، وللمألوف والعجائبي، ولكل الأصوات، حتى النشاز منها، ما لم تمارس عنفا، أو تؤجج كراهية، أو تتسبب في فوضى، أو تمس حريات الآخرين، في مثل هذا المناخ تزدهر الثقافة ويجد المبدع في أي فن من الفنون مساحة رحبة لمغامراته الإبداعية.تفوقت مدينة باريس على نظيراتها من مدن أوربا في احتضان المبدعين. كانت مدينة عالمية جاذبة لأبناء كل الثقافات على اختلافها وتنوعها. قصدها بيكاسو من إسبانيا، وصموئيل بيكيت من ايرلندة، وجورج أورويل من إنجلترا، ويوجين يونسكو من رومانيا، وهنري ميلر من أمريكا، وآرثر آدموف من روسيا، والقائمة تطول. ويبدو أنه نادرا ما تجد أديبا أو فنانا أو مفكرا أوروبيا لم يُقِم في باريس إقامة دائمة أو مؤقتة، لينعم بفضاء ثقافي واجتماعي رحب في مدينة عريقة تحتضن كل المدارس والتوجهات والتيارات والصرعات الأدبية والفنية. ولم يكن ذلك الحراك الثقافي وقفا على المعاهد والجامعات والمؤسسات الثقافية والفنية، بل ساهمت المقاهي الباريسية في ذلك. لم يلتحق الأدباء والفنانون الذين قصدوا باريس بجامعاتها، بل رابطوا في مقاهيها التي شهدت انبثاق حركات أدبية وفنية وفكرية، كما شهدت سجالاتٍ وحوارات، وتبادلَ معارف وخبرات، وعروضاً فنية. فكانت رافدا من روافد المعرفة والإبداع. ومنذ منتصف القرن الثاني الهجري، ساد في بغداد عاصمة الدولة العباسية، ولو بصيغة مختلفة، مناخ اجتماعي مشابه. كان المجتمع آنذاك فسيفساء دينية وعرقية وثقافية تزين المكان بتجاورها المتعدد وتماسها المبدع. وقد أدى ذلك التنوع الهائل للأعراق والديانات والثقافات إلى تفاعل اجتماعي وثقافي خلاق. ولولا فسحة الأمل، والإيمان بأن مسار الارتقاء والصعود المبدع حتمي، لقلنا إنه زمن لا يتكرر.ومعنى ذلك أن أي تنظير للخروج من حالة الركود لا يأخذ بعين الاعتبار رحابة الوسط الاجتماعي والثقافي، والقبول بمبدأ التنوع، والتحرر من ضغوط التزمت والانغلاق والوصاية الثقافية، إنما هو شكل من أشكال المراوغات البلاغية، وضرب من أحلام اليقظة. فلا يمكن للمكان أن يحقق تفرده، ولا للثقافة أن تمارس دورها الحضاري ما لم يُهيّأ لها المناخ المناسب. كذلك لا يستطيع الفنان أو الأديب أو المفكر أن يبدع بأصابع مترددة في ظل رقابة اجتماعية صارمة قد تؤدي إلى رقابة ذاتية أكثر صرامة.