د. إحسان بوحليقة

وقاية تطلعات الرؤية ومبادرات التحول من التعثر؟

هناك همسات أننا على وشك معايشة ولادة «كيان» لإدارة المشاريع، لكن لماذا تتعثر المشاريع؟ ولماذا شاهدناها تُسند تباعاً لأرامكو؟ الإجابة المعلبة: ندرة المقاولين المتمكنين. والاجابة غير المعلبة: ندرة الكوادر المؤهلة لإدارة المشاريع في تشكيلات الجهاز الحكومي. في ظني أن السبب الحرج هو: أننا لم نستطع مسايرة متطلبات التنمية الهائلة، من مبادرات ومشاريع ومخصصات متعاظمة للميزانية العامة للدولة ولاسيما بنود المشاريع، وتحديداً التنموية خلال السنوات المنصرمة. إذ يبدو أن التعثر والتأخر قد ولدا قبل العام 2000 بسنوات؛ فالخطط الخمسية المنصرمة لم تنجز مشاريعها في وقتها، وهذا أمر –نتيجة لاستمراره- لابد أن يؤدي لإلحاق العطب بمشروعنا الوطني التنموي، كما وصفته وفصلته وثائق الخطط الخمسية المتتابعة، خذ مثلاً قضية التنمية المتوازنة التي نادت بها صراحة الخطة الخمسية التاسعة، فإن لم تنجز المشاريع في وقتها فكيف ومتى يتحقق هذا التوازن المنشود؟!والآن، زادت الحاجة لبناء سعة لإدارة المشاريع لدى الجهاز الحكومي، وخصوصاً بعد إعلان «الرؤية السعودية 2030»، وبرنامج التحول الوطني 2020. وبطبيعة الحال، لا يمكن تجاوز أنه تم تأسيس مكتب لإدارة المشاريع ضمن منظومة مجلس الشئون الاقتصادية والتنمية، وله دور أساسي عليه نترقب جميعاً أن يؤديه.وهكذا، فيبدو أن هناك ما يبرر القول إن تصاعد وتيرة المتطلبات التنموية بشكل غير مسبوق خلال العشر السنوات الماضية، أخذ الأجهزة المعنية في الجهاز الحكومي على حين غرّة، فلم تتمكن من الارتقاء للمناسبة، فحدث التأخير والتعثر في المشاريع التنموية، رغم أن الأموال متاحة، والاحتياجات تتعاظم! وباعتبار أن التأخير والتعثر استمرا لسنوات، فثمة ما يدفع للقول هل سنتمكن من علاج تراكمات الماضي من مئات المشاريع المتعثرة والمتأخرة، وفي نفس الوقت الانطلاق بمئات المبادرات (وهي عبارة عن مشاريع عند تدقيق النظر) تطلقها الجهات الحكومية ضمن برنامج التحول الوطني، حيث يبدو أننا تحولنا من صيغة المشروع كمقاولة للحكومة ينفذها القطاع الخاص إلى المشروع كشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص.ولعلنا نتفق جميعاً أن إدارة برنامج تحول طموح، يرتكز إلى رؤية طويلة المدى، عليه أن يسابق الزمن، مما يدفع للقول إنه لن ينجز إلا بتوافر: مهارات وخبرات إدارية وفنية في التنمية الاجتماعية- الاقتصادية، وفي إدارة وإسناد وتنفيذ المشاريع في وقتها، وفي التواصل مع الجهات الأخرى ذات الصلة، سواء الحكومية أو في القطاع الخاص أو الجمهور. وكما سبق أن ذكرت هنا مراراً، ففي المملكة رجالات من المواطنين ممن لديهم العلم والخبرة والتجربة ثرية ونادرة في إدارة المشاريع المعقدة، بعضهم بلغ سن التقاعد فترك المشاريع وأخذ يقضي وقته من ديوانية لأخرى أو يقطع أيامه في الأسفار أو افتح له منشأة مقاولات صغيرة أو حتى محل بيع تجزئة! وفي حين أن الوزارات تفتتح الواحدة تلو الأخرى مكاتب لإدارة المشاريع جُلّ من فيها تجربتهم في إدارة المشاريع محدودة مقارنة بالعمالقة الذين أتحدث عنهم. وأزعم أننا ما زلنا بعيدين عن الاستفادة من أمثال هؤلاء، دون وجود مبرر واضح.كيف نفرط برأس مالنا البشري ونحن في أمس الحاجة لمن يدير ويساعد في تنفيذ مشاريعنا التنموية وبرنامج التحول الضخم ومبادراته وتطلعات الرؤية السعودية 2030، وفك انسداداتها والحرص على تنفيذها؟ لما لا نستدعي الخبراء المتقاعدين من أصحاب التجربة الثرية في إدارة المشاريع كما يستدعى الاحتياط للمعسكر؟! ليس فيما أقوله أي حماسة ولا مبالغة ولا حتى مفاجأة؛ فليلتفت كلنا حوله ولينظر للكوادر المواطنة التي ساهمت على مدى عقود في إدارة وتدبير مشاريع أرامكو وسابك وسواهما، وسيجد الإجابة حاضرة. وقد يقول قائل إن هذه الأعداد لن تكفي، وأقول: إن التدبير نصف المعيشة، بمعنى أن بوسع الجهات الحكومية التي لديها مبادرات ومشاريع أن تستقطب هؤلاء الخبراء كمستشارين أو مشرفين عامين على قطاع المشاريع لديها.نحن أمام فرصة تاريخية وتحد مفصلي، أما الفرصة فهي أن علينا تنفيذ «الرؤية السعودية 2030» وجعلها حقيقة واقعة تساهم في ازدهار وطننا وأهله، في حين أن التحدي يكمن في التقدم -دون إبطاء- خطواتٍ واسعة في التنمية والنمو بتجاوز كل الصعاب، ولن نتجاوز الصعاب إلا من خلال خبراء عارفين مجربين مخضرمين، تماماً كمن يريد أن يسلك طريقا في غابة أو بيداء، فهو سيقف حائراً إلى أين يتجه، في حين أن الخبير سيتحرك بثقة نحو الهدف، وقد تجابه صعابا وموانع لكن خبرته وتجاربه مع مواقف شبيهة ستسعفه.وهكذا، فالنهوض لتنفيذ «الرؤية السعودية 2030» الطموح بحاجة لحشد الطاقات المحلية، حتى تديرها وتنفذها، وبالقطع فإن أرامكو رافد أساس، وكذلك أبناء الوطن ممن امتلكوا الخبرة وصقلتهم الممارسة الميدانية في تنفيذ المشاريع في مجالات شتى، بما يمكن أياً منهم من تعهد المشروع باعتباره مالكه أو ينوب عن مالكه، فتنتهي عند ذلك الخبير كل الأمور ذات الصلة بتنفيذ المشروع، لكن هذا أمر لا تسانده اللوائح والتعليمات والتعاميم والقواعد ونظام المشتريات الحكومية المعمول بها حالياً! وهنا يتضح الخلل الهيكلي الذي أشرت له في البداية: نقص في مُلاك المشاريع، ونقص في المرونة المالية والإدارية الضرورية ليحقق ملاك المشاريع المطلوب منهم. وهذا ما ينبغي أن يوفره مكتب إدارة المشاريع التابع لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.وهكذا، فحتى نتجاوز تعثر مشاريعنا ومبادراتنا ورؤيتنا وتأخرها، فليس من بدّ من البحث عن الخبراء السعوديين في إدارة المشاريع تحت كل حجر واستقطابهم وتحفيزهم، ليتمكنوا من القيام بمهمتهم فلا بد من تمكينهم من خلال إعادة النظر بالمنظومة التشريعية والتنظيمية التي ما برحت تشكل الإطار الحاكم. وإعادة النظر لا تتطلب إعادة اختراع علم إدارة المشاريع من حيث التنفيذ والضبط والحوكمة، إذ يكفي أن نتبع أفضل الممارسات في العالم، وبذلك نزيل العيب الهيكلي الذي أعاق وما برح يعيق تنفيذ مشاريعنا التنموية، فكيف إذا أضفنا لها مئات المبادرات الناتجة عن برنامج التحول الوطني، وكل تطلعات الرؤية السعودية 2030؟