د. محمد حامد الغامدي

مستقبل منطقة الباحة في صناعة السياحة الريفية

• • تتميز منطقة الباحة بموقعها الفريد.. تمتد بين البيئة (التهامية) و(البيئة السروية).. حيث ترتفع جبال السراة عن سطح البحر بأكثر من (3000) متر في بعض المواقع.. تحتل قرى المنطقة مواقع لا يمكن استصلاحها زراعيا.. لا تجد أي قرية في بطن أي وادٍ.. تلكم تمثل جانبا من حسن إدارة البيئة.. حسن استغلالها لصالح الإنسان.. موقع القرى التاريخية يعتلي رؤوس الجبال.. كأنهم بهذا يقتربون من السماء.. يقتربون من رحمة الله.. ولهم في هذه المواقع فوائد أخرى.• • توزيع القرى جغرافيا.. يجعل من منطقة الباحة بكاملها مشروعا ناجحا للسياحة الريفية.. هذا يتطلب مقومات خاصة.. يتطلب شروطا خاصة.. يحتاج إلى إدارة خاصة.. يحتاج أيضا إلى فكر ورؤية خاصة.. هناك احتياجات كثيرة لتحقيق أهداف سياحة لها عالمها الخاص.. أرجو العمل بشكل فوري لتأسيس هذا النوع من السياحة قبل أن ينقرض الريف بمفهومه الواسع. • •في جميع مناطق المملكة.. نعيش نظريات اقطع والزق في كل مجال.. هل هذا مؤشر على فشل المهندس المعماري السعودي؟! فقدنا الفروقات بين القرية والمدينة.. تآكل الريف في كل مكان.. أصبح الريف مشوها خارج طقوس الريف المعروفة.. أصبح الريف علبا اسمنتية متناثرة على سفوح الجبال بشكل عشوائي.• • أن تكون هناك سياحة ريفية.. أن يتغير مسار الحاضر القائم.. أدعو لوجود إدارة لهذه البيئة.. مهمتها مراعاة متطلبات السياحة الريفية.. أيضا التشجيع على ممارستها بشتى الطرق.. السياحة الريفية صناعة.. لها متطلبات يشارك في نجاحها أهل الريف أنفسهم.. لها إدارة وسياسة واقتصاد.. السياحة الريفية نشاط بناء وتعمير للبيئة بطرقها المعروفة التقليدية.. السياحة الريفية بيئة ترويح عن النفس وغسل لها.. بيئة لنفض الهموم وتعزيز لمباهج الحياة الريفية.. أن تعيش مع الطبيعة.. أن تعيش الهدوء.. أن تبتعد عن الصخب والضجيج.. السياحة الريفية عودة للبيئة لترميم النفس.• • أثناء زيارتي لمنطقة الباحة.. كنت سائحا للاستمتاع بالطقس.. هذا السائد.. استمتعت بجوها البارد.. بتضاريسها الجغرافية.. لكن خلو المنطقة من الحياة الديناميكية الريفية يدعو إلى الملل.. التفاعل علامة نجاح.. الجمود علامة فشل.. حاليا وجدت منطقة الباحة مكانا سياحيا هائلا للهدوء.. للتأمل.. للتفكير.. البعد عن ضغوط الحياة غنيمة.. السياحة الريفية تجدد ثوب السعادة. • • الطبيعة الريفية سياحة عظيمة في منطقة الباحة.. الهدوء جزء من السياحة الريفية.. أتطلع لتوظيف جغرافية المنطقة الريفية لصالح مستقبلها.. القسم السروي صيفا.. حيث البرودة وزخات المطر.. سحاب يعانق قمم الجبال.. يغطي سفوحها.. القسم التهامي شتاء.. حيث الحرارة المعتدلة.. دفء المكان الملهم.. تلكم ميزة نسبية لصالح السياحة الريفية في منطقة الباحة.• • أعرف أن أمير المنطقة صاحب السمو الملكي الأمير مشاري بن سعود.. في أول وآخر لقاء شخصي مع سموه.. برفقة نخبة من أبناء الباحة في المنطقة الشرقية.. كان اللقاء بعد تكليفه بإمارة المنطقة.. كان مهتما بالسياحة.. برؤية وتطلعات لصالح المنطقة.. الوضع من خلال المشاهدة في زيارتي الأخيرة.. لم يحقق رجاء الأمير وتطلعاته.. السياحة كصناعة تتطلب تضافر جهود أكثر من جهة.. تحتاج إلى استراتيجية وتخطيط وبرامج.. تحتاج إلى تعاون وتكامل وتنسيق.. تحتاج إلى ريف بشخصية ريفية لها علاقة بالأرض والزراعة والمنزل والإنسان.• • حاولت أن أعيش حياة هذه الأركان الأربعة.. الأرض.. الزراعة.. الإنسان.. المنزل الريفي.. سأتحدث عن إنسان المنطقة كأحد محاور السياحة البيئية.. تذكرت قهوة (دوبان) في بلجرشي.. كانت حشود الناس الريفيين تتجمع في جوفها كل يوم سبت.. حيث سوق السبت ببلجرشي.. أحمل صور البساطة الإنسانية وعلاقتها بـ(براد) أبو أربعة.. والشاهي (التلقيمة).. وصحون (الفول) و(الكمونية) و(المقلق).. والناس تتزاحم بأصوات السعادة.. سياحة في جزء من يوم واحد.. ثم تنفر الجموع بعد صلاة الظهر من السوق إلى قراها محملة بمؤنة الأسبوع وطاقته.• • اختفت قهوة (دوبان) السياحية.. بملامحها الريفية كل يوم سبت.. وحتى أعيد للدنيا حديث السندباد.. كنت أذهب كل الصباح إلى بقايا معالم السوق التي أعرف.. أهبط وأرخي بحمل نفسي في مقهى (الشدوي).. يعمل في أوقات معلومة صباحا ومساء.. يقدم صحن (الفول) و(براد) الشاهي أبو أربعة.. يأتيك الشعور بأنك في بيتك مع أهلك. • • الموضوع ليس موضوع (فول) و(تميس).. لكنها ملامح سياحية.. تجد الجلسات الريفية ببساطتها.. معها تجد نفسك في وضع كأنك تعرف الجميع.. تلمح وتقرأ ملامح وجه الحاضرين.. حنطية اللون.. ترى الهامات النافرة.. رجولة.. جدية.. حماسا.. يسلمون على كل من في المكان.. تذوب الفروقات وهذا هو الأهم.. هذه جزء من السياحة الريفية حيث المشاركة.. والمعايشة.. ونقاط التعارف العابرة.