سالم اليامي

الحارة الكبيرة

عندما تكون الحياة بزخمها، وبكل معطياتها مرحلة خاصة ووقفة في أرض ما وزمان ما، يكون الناس أمام غموض، لا يجسده أحيانا إلا الشّعر، يقول أحد الشعراء المعاصرين في مقطع من قصيدة حداثية:ولكنها وهي تمخر ليل المعانيالتي لا سبيل إلى فك ألغازها أبداًلا تؤاخي على طرقات الخلود سوى نفسها.الشاعر شوقي بزيع في ديوانه «مدن الآخرين» يتحدث عن اللغة، والمعنى يحتمل الإشارة.. المدن التي يسكنها البشر ويعتقدون أنها صارت مدنهم، ولكنهم يفيقون يوما ويجدونها مدناً للآخرين. بدون تبريرات مقنعة أو منصفة لماذا باتت على ذلك النحو؟. هذه المشاعر التي يمتزج فيها تاريخ المدن وذكريات البشر وحكايات التاريخ تعيدني إلى عامين من عمر الزمن قضيتهما في مدينة طرابلس الليبية، وهي تشهد ظروفا استثنائية على المستويات السياسية والأمنية، وكانت الواجهة البحرية للمدينة هي ملاذ الناس هناك للفسحة والنزهة وللمقيمين في المدينة، وفي أوقات ومناسبات أتاحت لي الظروف التجول سيرا على الأقدام في المدينة «العتيقة» أو كما تسمى المدينة العربية، وهي المركز العتيق الذي يطل على البحر المتوسط وأخبرني الزملاء والأصدقاء من الليبيين أنها كانت محاطة بسور وتحوي عددا من المنازل والحوانيت والمساجد، والدور الخاصة بالعبادة لغير المسلمين. كل ما فيها أثري وتاريخي، ويقال إن معظم موجوداتها بنيت في الفترة العثمانية، وفترة الاحتلال الإيطالي لليبيا. وإن بها آثارا بنيت قبل خمسمائة عام من الزمان. العجيب، أن هذه المساحة الصغيرة نسبيا كانت تحتوي -وبحسب المصادر التاريخية- على 29 سوقا من الاسواق القديمة التي كانت تشتهر بها المدن القديمة، وعلى عدد غير قليل من البوابات التي كانت تغلق عند قدوم المساء. المدينة العتيقة قطعة صغيرة من الأرض تحتضن الميناء، وتلتصق في بعض أجزائها بالبحر، وتنقسم بحسب التسميات والدلالات التنظيمية والثقافية إلى «الحومة» وهي مكان لسكنى العرب المسلمين، و«محلة» وهي ذات طابع أو بعد تجاري. و«كوشة» وهي تسمية ذات دلالة حرفية. و«حارة» وهي تسمية ذات دلالة ايدلوجية إلى حد ما تشير إلى مكان سكن الجالية اليهودية. حيث تتركز الجالية اليهودية، أو اليهود الليبيون الذين لم تتفق المصادر على العدد الحقيقي أو الثابت لهم في ليبيا، أو حتى في مدينة طرابلس وهي أهم أكبر نقاط تجمعهم ثم تأتي بعدها بنغازي في المرتبة الثانية. ففي الوقت التي تشير مصادر إلى وجود اليهود من قديم في ليبيا ويعود لفترات تاريخية بعيدة، تذكر بعض المصادر أن عددهم كان يتراوح بين عشرات الآلاف وبين الآلاف فقط، جاء معظمهم إلى البلاد الليبية من بلدان شمال أفريقيا الأخرى، وجاء قسم آخر من الأندلس هربا من محاكم التفتيش الكاثوليكية هناك، إضافة إلى من كان موجودا أصلا على الأرض الليبية من قبل الفتح الاسلامي. يهود ليبيا الطرابلسيون امتهنوا التجارة والعمل بصياغة الحُلي، وأعمال الصرافة والوكالات التجارية.ما لفتني في بعض القراءات لحياة اليهود في ليبيا أن هناك من الليبيين العرب المسلمين يتحدثون عن حالات التعايش التي كانت تسود الحياة العامة للناس وتشير بعض الشهادات المتفرقة هنا وهناك إلى أن الناس كانوا يعيشون في سلام وتسامح، وأن أماكن العبادة للجميع وقد تكون في ذات الشارع، والحي. وان الروابط الاجتماعية بمعناها التواصلي كانت قائمة بين الناس. وعندما كان يتركز الحديث على اليهود كانوا يوصفون في المجتمع الطرابلسي خصوصا بأنهم أصحاب أعمال، وكان لهم شركات، وشركاء من الليبيين. ولم استغرب في هذا السياق بعض الكتابات التي تحن إلى صورة المجتمع الطرابلسي بمكوناته المختلفة، والتي تصف اليهود الليبيين بملح المجتمع الطرابلسي! وتذهب مصادر إلى أن فترة الحكم العثماني والاحتلال الايطالي من الفترات الزمنية التي شعر اليهود فيها بدرجة أعلى من التسامح في المحيط العربي، حيث نصت التشريعات المدنية على أحقيتهم كجالية ببناء دور العبادة الخاصة بهم، وبالمدارس التي يرون انها تتطابق ومعتقداتهم الدينية أو الدنيوية. أسس التعايش في الحضارة الإسلامية ليست محل بحث هذا المقال، لكن بالتأكيد هي أسس موجودة في علاقة المسلمين بالآخر منذ دولة المدينة ودستور المدينة الأول في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن تأزم المشاكل الدولية، وخطط الاستعمار الدولي الحديثة، فتت الكثير من تلك الأسس ذات الأبعاد الإنسانية والثقافية. حتى ان هناك من الليبيين ممن يقبلون الآخر على خلفية هويته الليبية بدون مشاكل كبيرة، إلا انهم يجدون بعض النقاط في تاريخ الجالية اليهودية التي كانت مثار قلق، وبنيت عليها كثير من الاحداث اللاحقة التي كانت وراء اضمحلال هذه الجالية في ليبيا، ومن ذلك الدفوعات التي يعددها البعض بنوع من العتب، مثل أن عناصر من اليهود في طرابلس وليبيا على وجه العموم لعبت دورا سلبيا تجاه الليبيين بتعاونها مع المحتل الايطالي وذلك للتمهيد للايطاليين بالعمل في بنك روما الايطالي الذي يعد إحدى الادوات الاستعمارية 1907م كوسطاء استغلوا معرفتهم بطبيعة المجتمع العربي، وساعدوا الايطاليين على مصادرة اموال الناس، وارضيهم. وهناك من يعيب على يهود ليبيا ضبابية موقفهم من الوحدة الترابية لليبيا ايام لجنة ما سمي بتقصي الحائق التي كلفتها الامم المتحدة بالاتصال بالناس لمعرفة رأيهم حول وحدة البلاد واستقلالها. وابعد من ذلك هناك من يطرح سؤالا كبيرا حول مساهمة اليهود في الجهاد الليبي ضد الاحتلال الايطالي.هذه دفوعات الليبيين العرب، وفي الجانب الآخر هناك أصوات يهودية تحب أن توصف بأنها ليبية على الرغم من بعدها عن البلاد الليبية لسنوات طويلة، تفسر بعض الذي حدث من بعض اليهود في ليبيا في فترات سابقة بأنه كان محكوما بالظروف السياسية الاقليمية والدولية، وأن المستعمر الايطالي بشكل خاص حاول استغلال الناس ضد بعضهم. وذكرت عدة مصادر في مناسبات مختلفة أنه قبل ثورة السابع عشر من فبراير اتصل النظام السابق ببعض اليهود الليبيين واعطاهم ادوارا في حل بعض القضايا التي كانت تشكل خلافا بين ليبيا حينها وبين المجتمع الدولي، وإذا سمحت الظروف مستقبلا يمكن العودة إلى هذا الامر بتفصيل أكبر.أما بعد ثورة 17 فبراير فقد سجلت قنوات عالمية عودة رجل يهودي من أصول ليبية يدعى ديفيد جربي، وهو يعود إلى الحارة الكبيرة في طرابلس ويقوم بإزالة جدار اسمنتي سدت به واجهة معبد «دار بيشي» اليهودي. هذا المشهد وفي ذلك التوقيت فسر أكثر من تفسير، تفسيرات تجاوزت المدينة العتيقة وحاراتها الكبيرة والصغيرة، وتجاوزت طرابلس وليبيا وربما المنطقة برمتها.