محمد العلي

كبرياء الوهم

أنت تعرف أن «كبرياء التاريخ في مأزق» هو عنوان كتاب لعبدالله القصيمي استهله بقوله: «أريد أن أرى غضبا أو إنسانا غاضبا، فلقد أشقاني البحث عن الغضب بين قوم قد فقدوا القدرة على التكلم بأي لغة من لغات الغضب. لقد أغلقت جميع المعاهد التي كانت تعلمهم التكلم ببعض لغاته. غيظي من هؤلاء القوم وأحزاني عليهم. انهم لم يفقدوا كل الغضب ويجهلوا كل لغاته، بينما يعيشون كل أسبابه».أنا لا أملك زمام البلاغة الجامحة الذي يملكه القصيمي، ولا قدرته على اختراق الضباب الذي يخترقه إلى أكثر الزوايا بعدا عن الرؤية فيما يريد تناوله من الأشخاص والأفكار ماضيا وحاضرا، وقد قرأت منذ زمن طاعن في السن ما كتبه عن المتنبي - مثلا - حيث يجعلك غريقا في سيل لغوي لا يشبهه حتى سيل امرئ القيس. لا أعرف ماذا سيسفر عنه قلم القصيمي من عذارى مفردات اللغة لو وضع أمامه عنوان «كبرياء الوهم» أظن أن الغضب سيستبد به لا من التاريخ كله وحسب، بل من نفسه هو حين يستعيد ذكرى المراحل التي مر بها وكيف كان الوهم يحمله على جناحيه ويطوف به يمينا وشمالا. أما أنا حين وضعت العنوان أمامي كنت مندفعا بيقين ساطع بأن كبرياء الوهم ما هو إلا ظل شاهق لانتصاراته في كل عصر، فلو ألقيت نظرة إلى تاريخ العلوم بكل أبعاده لرأيت كيف تتساقط أوراق أشجاره المعرفية في كل عصر، وانبثاق أوراق جديدة خضراء شابة بدلا منها. وما هذا التساقط إلا دليل على أن تلك الأوراق المتساقطة كانت أوهاما كشف عنها نمو المعرفة. الوهم كل ما ليس له علاقة بالواقع الحسي أو المنطق العقلي. ان الاعتقاد بان الشمس تدور حول الأرض سيطر على البشر قرونا مترامية الأطراف وإذا به يصبح وهما من الأوهام وهكذا آلاف الآراء التي انطفأت وكانت تضيء القلوب والأبصار.إن كبرياء الوهم في الماضي له ما يبرره وهو ضحالة الفكر العلمي والفلسفي، ولكن ما هو المبرر لتكاثر قطعان الوهم في مستهل هذا القرن الذي ورث ما وصلت إليه القرون السابقة ابتداء من عصر الأنوار من فتوحات معرفية ارتقت بها بعض المجتمعات الأخرى إلى الدرجات الأعلى فالأعلى في السلم الحضاري «النقدي» المضيء ونحن ما زلنا في الكهف.