منصات قاتلة
في التاريخ العربي المعاصر حوادث يصعب ان تغيب عن ذهن الناس، ارتبطت هذه الحوادث بحالة مشتركة رغم الفارق الكبير في المناحي والخطوط الرئيسية لكل حادثة، وأهميتها من حيث ظروفها الزمانية والمكانية. الرابط الذي يجعل هذه الحالات حاضرة في أذهان العرب صفة تجمع بينها أي بين تلك الأحداث. حتى انها اخذت اسمها من المكان، هناك حادثة المنصة وحدثت عدة مرات في الزمن السياسي العربي المعاصر، وتظل اشهرها حادثتين كلاهما تسمى حادثة المنصة. الغريب أن الذي يجمع بين هذه الحوادث ان نهايتها تكون مأساوية وقاتلة ويتعرض الشخص او اللاعب الرئيس فيها للاغتيال مع التأكيد على اختلاف الظروف والحيثيات في كل حالة، وفي كل قطر عربي ومع كل حاكم عربي سواء كان في مصر، أو في ليبيا أو في الجزائر.الكل يعرف عن حادثة اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد انور السادات في السادس من اكتوبر 1981م والتي اعتاد الرجل الاحتفال في كل عام في مثل هذا التوقيت بنصره، وبما يعرف رسميا «بيوم العبور». وتذكر المصادر التي دونت لقسم من التاريخ المصري في هذه الجزئية ان الرئيس بدأ يومه بشكل طبيعي وغادر منزله في العاشرة للقاء قيادات عسكرية في وزارة الدفاع، توجه بعدها لموقع الاحتفال او العرض العسكري الذي بدأ في وقته المحدد، وبدا بصورة طبيعية إلى أن خرجت عربات من تشكيل العرض وقام افراد بداخلها بإلقاء قنابل يدوية على المنصة حيث الرئيس وكبار الضيوف، ومن ثم بدأ اطلاق النار من بنادق آلية، وتذكر الروايات ان المشهد المركز للاغتيال لم يتجاوز 45 ثانية!! وأسفر عن مقتل الرئيس وستة من العسكريين المصريين، ولم يكن هناك من الضيوف الاجانب سوى شخصية عربية واحدة فقط هو وزير دولة من سلطنة عمان، السيد شبيب بن تيمور، وكان حاضرا بصفته ممثلا للسلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان الذي لم يقطع علاقات بلاده بجمهورية مصر العربية بعد رحلة السادات للقدس، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد. ومن المفارقات العربية العربية في هذه الحادثة أنه لم يحضر مراسم تشييع السادات إلا جعفر النميري من السودان فقط، في الوقت الذي جاءت وفود من اكثر من 80 دولة بينهم ثلاثة رؤساء امريكان سابقون!! اطلاق النار بدأ في حدود الواحدة الا ربع بتوقيت القاهرة، وعند الثانية إلا ربع تأكد للرسميين المصريين وفاة الرجل، في هذا الوقت كان العالم يترقب أي خبر من القاهرة حول الموضوع، وتذكر المصادر أن أول من اذاع نبأ الاعتداء واطلاق النار كانت اذاعتا لندن ومونت كارلو، وفي مصر كان الناس في بيوتهم يترقبون إلى حدود الساعة التاسعة والنصف مساء بتوقيت القاهرة عندما ظهر النائب حسني مبارك حينها على شاشة التلفزيون المصري ليعلن بيان الوفاة. العالم، والأمم المتحدة كانت تلقت نبأ الاغتيال بمشاعر مختلطة، ويقال انه تأجل اجتماع جلسة الجمعية العمومية العامة بعد ظهر ذلك اليوم ساعة كاملة، وعندما تأكد نبأ الوفاة من القاهرة، تحدث الأمين العام للأمم المتحدة في حينها السيد كورت فالدهايم حيث أعرب عن عميق اسفه لما حدث في القاهرة واسفر عن وفاة الرئيس المصري. بعد نحو ثلاثة عقود، وبعيدا عن الوطن العربي ومنصاته القاتلة كان هناك حادثة المنصة الشهيرة أيضا في الأمم المتحدة، وفي مدينة نيويورك الامريكية تحديداً وكان بطلها العقيد معمر القذافي الذي وصل إلى هذه المنصة بعد مسيرة اقتربت من الاربعين عاما من الحكم في ليبيا، وقدم الرجل في هذه المناسبة من قبل رئيس الجمعية العامة الليبي على التركي على أنه «ملك ملوك أفريقيا»، كانت دورة عادية، وكان محدداً لكلمات رؤساء الوفود زمن لا يتجاوز خمس عشرة دقيقة، ولكن اغراءات المنصة جعلت القذافي يستمر في خطابه لما يقرب من الساعة والنصف. وفي لحظة لم تحسب جيدا في خضم اندماج القذافي بالكلام أوقفت عدسات التلفزيون وكاميرات مصوري وسائل الاعلام الثواني القائلة التي القى فيها القذافي بميثاق الامم المتحدة في الهواء، ليسقط بعد ذلك على الأرض. وليبدأ في مسار جديد من النقد اللاذع للامم المتحدة التي وصفها بأنها عجزت عن ايقاف الحروب في العالم، ووصف مجلس الأمن بأنه مجلس رعب للدول الفقيرة وللمجتمعات النامية. وطالب للقارة الافريقية بمقعد في مجلس الأمن، بصفته الرئيس الدوري للاتحاد الافريقي علاوة على مطالبته بتعويضات لافريقيا وشعوبها عن سنوات الاستعمار الأبيض. هناك من قال بعد هذه الحادثة بأن الرجل انتظر الوقوف على هذه المنصة منذ العام 1969م وعندما وصل إليها، قرر أن يستخدمها نقطة للانتحار السياسي. في تلك الاثناء كثير من رؤساء الوفود كانوا يستمعون للخطاب الطويل والطويل جدا، وقيل ان الرئيس الامريكي باراك اوباما أنهى خطاب بلاده وانصرف مباشرة قبل بداية اعتلاء القذافي للمنصة. وهناك رؤساء وفود ودول غادروا القاعة، او انابوا شخصيات في مستوى تمثيل اقل بالحضور. في الجانب الآخر وفي البلاد الليبية كان الاعلام هناك منشغلا بتدشين العناوين العريضة لنشرات الاخبار، وعناوين الصحف التي ستقدم للناس في الداخل، والتي لا تخرج عن وصف الخطاب بالتاريخي، وتؤكد ان الرجل يملك شجاعة غير مسبوقة، حيث انتقد وقارع الاستعمار في عقر داره. وتؤكد ان الحق اعتلى منصة الظلم والعدوان. وكان الناس، الليبيون والليبيات او قطاع كبير منهم يدرك بحس خفي خطورة مايقدم عليه الرجل، وتسمروا عند شاشات التلفزيون ليتابعوا لحظة بلحظة رغم ان الكثيرين منهم يعتقدون ويعرفون في قرارة انفسهم أن الخطاب ليس أكثر من مادة استعراضية، في الامم المتحدة يمتزج فيها التهريج بالدعاية لشخص القذافي في المقام الاول، الذي يسعى لأن يصور نفسه بطلا جماهيريا في آخر سني عمره. وفي غير منطقة من العالم العربي قوبل الخطاب ومفرداته وما صاحبه من تصرفات على هذا المنبر الدولي الخطير باستهجان يتناسب وشخصية الرجل الذي عرف الناس عنه في المنطقة العربية تبني اسلوب المخالفة للسائد في القمم واللقاءات العربية، من اجل ان يكون معروفا وحاضرا لا أكثر. وكانت مصداقية ما يقوله وجديته تعرض تلك المرحلة لمحك خطير خاصة بعد ان سمع الناس في المنطقة العربية واحدة من مقولاته التي طالب فيها بالجهاد ضد «الدولة السويسرية» على اثر خلاف وقع بين احد افراد اسرته وأجهزة الامن السويسرية. الأخطر من كل ذلك ما كان يجري بالتوازي وفي الولايات المتحدة نفسها من السعي لاستصدار قرار في مجلس الشيوخ الامريكي اثناء القاء الخطاب في الامم المتحدة، القرار كان عبارة عن «توبيخ» للحكومة الليبية على المبالغة في استقبال الليبي عبدالباسط المقرحي المدان دوليا في تفجيرات لوكيربي. كما وُصف الخطاب الذي كان يلقيه القذافي على منصة الجمعية العامة للامم المتحدة بأنه لا يتناسب والحفاظ على مشاعر أسر ضحايا لوكيربي. كانت رسالة ناعمة وربما قاتلة وان تأخرت إلى العام 2011م. المفارقة الأكبر أن الرجلين كانا ضحية منصة، وكانا على طرفي نقيض في الحياة وعند الاغتيال وبعد الموت، فبعد اغتيال السادات شيع جثمانه في جنازة مهيبة، ودفن في قبر على شكل هرم صغير، في إحدى ساحات العرض العسكري بالقاهرة، وكتب على قبره عبارة «بطل الحرب والسلام». وفي حالة القذافي فقد مات الرجل مطاردا من قبل طائرات النيتو في صحاري مدينة سرت، واغتيل على يد شاب من مدينة بنغازي، وتولى جثمانه ثوار مدينة مصراتة ودفنوه في ظروف غامضة في مكان مجهول بعد عرضه لأيام في مخزن عمومي لتبريد اللحوم والخضار. 