المملكة ومواجهة الأحداث بسياسة التعقل
من الواضح أن هنالك من كان- ولا يزال- يريد أن يجر المملكة إلى دوامة الصراعات القائمة في المنطقة، أولا: بهدف التخلص منها كقوة إقليمية لها وزنها وثقلها في السياسة العربية والإسلامية والدولية، ولها ثقلها الاقتصادي الدولي، وذلك لتهديم دورها، ومن ثم إتاحة الفرصة للعبث بالمنطقة ومقدراتها، وثانيا: بغية النيل منها بوصفها رأس الرمح الإسلامي للنفاذ من خلال تعطيل دورها لتقويض أركان الأمة، وإعادة تشكيلها وفق مصالح البعض ممن لا يتوقف عن العبث في أمن واستقرار المنطقة، ومحاولة التحرش بالمملكة من خلال تلك العمليات الإرهابية، ونفخ بعض الأقليات مذهبيا لتقديمهم كطعم لجر المملكة لحمى الصراع القائم هنا وهناك، غير أن السياسة السعودية قد وعتْ مبكرا هذه الحيل والألاعيب واستطاعت ومنذ بداية ما يسمى الربيع العربي أن تحصن ذاتها وشعبها عن هذه الحالة، دون أن تعطي أي جهة الذريعة لدفعها إلى بؤرة الصراع حتى عندما تم افتعال الانقلاب في اليمن على أيدي جماعة الحوثي وأتباع الرئيس المخلوع، على اعتبار أن هذا الحدث سيدخل المملكة عنوة إلى لب الصراع اليمني بدافع الحفاظ على أمنها القومي، لكن المملكة كانت أكبر من أن تنطلي عليها هذه الحيلة العقيمة، فواجهت عملية إسقاط الشرعية في اليمن، والتمدد الإيراني بإنشاء تحالف عربي وإسلامي، وعززت الشرعية اليمنية، وجعلتها هي من يقاوم الانقلاب، كذلك الحال في سوريا، حيث اقتصر موقف المملكة على دعم المعارضة المعتدلة، وبهذه المواقف استطاعت المملكة أن تقطع الطريق على كل من كان يسعى جاهدا إلى أن يجر أقدامها إلى حروب عبثية لا غاية منها سوى النيل منها ومن مواقفها، والتأثير على دورها العربي والإسلامي والإقليمي والدولي، وإسقاط عمود الخيمة العربية والإسلامية، ليسهل بعدئذ تمرير كل المخططات المطلوب تنفيذها، دون وجود من يحول بينها وبين مآربها وغاياتها. لقد سقطتْ كل هذه المخططات، وبقيتْ المملكة تساهم بقيادة التحالف من أجل استرداد شرعية اليمن، وتقدم الدعم والمساندة للمعارضة السورية المعتدلة، وتدعم موقف البحرين في التصدي لمحاولات زرع الفتنة بين مكوناته، وذلك دون أن يتأثر دورها سواء على المستوى التنموي الداخلي الذي حافظ على نفس الإيقاع في تبني المشاريع والرؤى الإستراتيجية، أو على مستوى حماية الأمن العربي والقومي والإسلامي، والحفاظ على حقوق الأمتين العربية والإسلامية، ومنع التفرد بأقطارها وشعوبها لسرقة هويتها، وبالتالي إدخالها في دوامة الأيديلوجيات الجديدة، التي تسعى عبثا للعب بورقة المذاهب والطوائف، وبناء التحالفات مع الأقليات السكانية هنا وهناك على هذا الأساس، دون أن تدرك خطورة العبث بهذه الورقة ودورها في تهميش قيم المواطنة التي هي الجامع الأهم والأمتن، والمؤهل لحماية النسيج الاجتماعي لأي دولة، وصيانة الأمن والاستقرار. لقد تمكنتْ المملكة بفضل وعيها بمحددات اللعبة من التعامل مع هذه الاضطرابات بمنتهى الحكمة بحيث ساهمت بترويضها بقوة، وصدّ توابعها، دون أن تدخل حالة حرب، وهو ما يراه الجميع رأي العين حيث يبدو لمن يتأمل واقع المجتمع السعودي اليومي أنه يعيش حياته الطبيعية بكل تفاصيلها، وهذا هو الفرق بين سياسة التعقل وسياسة الاندفاع.