إسبرانطين والكتاب الأبيض
الصراع السياسي في منطقتنا العربية له خصوصيته، وخطورته، وإذا كان له من حسنات فانه دفع بعض القادة العرب إلى القراءة، وتأليف الكتب..المعضلة أن هذه الكتب لا تحوي جديدا، ولا تقدم حلاً، وقد تعود بالأمور بين الدول العربية إلى الوراء. من الأمثلة الواضحة لما اشير إليه بهذه المقدمة الكتاب الأبيض الذي أعلن عنه معمر القذافي في العام 2000م والذي خصصه لرؤيته التي يعالج فيها قضية الصراع العربي الإسرائيلي، وذلك بالدعوة ضمنا إلى التخلي عن فكرة الدولتين كحل، والاكتفاء بدمج الدولتين في دولة واحدة، تقوم على المبادئ الديمقراطية، وتعلي من شأن التعايش السلمي. واقترح اسما لهذه الدولة هو «إسراطين» لانه يرى أن المساحة الأرضية من البحر إلى النهر لا تكفي لاقامة دولتين، واحدة عربية، والأخرى يهودية. عبر الرجل في عدة مناسبات سياسية عن رأيه هذا وكانت واحدة من تلك المناسبات أثناء خطابه الشهير في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2009م وهي المناسبة التي انتقد فيها الأمم المتحدة وأجهزتها ونظامها وانتقد مجلس الأمن بطريقة لاذعة. وتحدث عن رؤيته لحل القضية الفلسطينية ولوح بنسخة لكتابه الأبيض وأشار إلى أن العرب هم الحماة التاريخيون لليهود منذ عهود الرومان، ومحاكم التفتيش في أوروبا ومنذ أيام المحرقة. لا يمكن تخيل هذا المجهود من القذافي دون أن يكون وراءه صراع سياسي عربي كشفت عنه الأيام بأمرين الأول، معارضته الصارخة لما عرف بـ «اتفاق إعلان المبادئ» بين الفلسطينيين والاسرائيليين، الذي وقع في أوسلو 1993م وكان الهدف الأساسي منه الوصول لحل سلمي للصراع بين الجانبين العربي والاسرائيلي. وكانت حجة الرجل في معارضة ذاك الاتفاق أنه حدد الاراضي الفلسطينية التي يجب الانسحاب الاسرائيلي منها وهي تلك التي احتلت في العام 1967م بينما يرى القذافي ضرورة الانسحاب الاسرائيلي من اراضي 1948م، اضافة إلى عرض صعوبات الفصل الديموغرافي بين السكان العرب الذين يعيشون في الدولة الاسرائيلية «عرب 1948» وبين المستوطنين اليهود في الضفة، والقطاع. الأمر الآخر يكمن في المعارضة التقليدية للاجماع العربي، وبشكل خاص عندما تكون قيادة ذلك الاجماع سعودية! والمقصود معارضة «المبادرة العربية للسلام» لحل الأزمة الفلسطينية، التي بدأت سعودية في بيروت 2002م ثم أصبحت عربية فيما بعد، ومضمونها انشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، ومعترف بها دولياً،على حدود 1967م تطبيقا للقرارين الشهيرين 242 و338 وعودة اللاجئين، وانسحاب اسرائيل من هضبة الجولان السورية. يكون مقابل ذلك اعتراف وتطبيع عربي للعلاقات مع إسرائيل. في كل هذه التصرفات كان هناك مَنْ يظن ان الرجل يضفي شيئا من الحيوية والسخرية على مجمل العمل السياسي العربي والدولي وقبل ذلك الداخلي في ليبيا، إلا ان الامور تتحول وبطريقة درامية إلى مماحكات من أجل معارضة هذا الفصيل الفلسطيني، أو هذه الدولة العربية، دون اعتبار لمصلحة أو تثمين لعمل جماعي، ودولي.العجيب أن التاريخ وبطون الكتب تحمل المثير بقدر حب الزعامات العربية ومنها القذافي للاثارة، وتبين لنا أن فكرة الدولة الواحدة كواجهة للحل في فلسطين قديمة، وقبل أن يولد القذافي نفسه بخمس سنوات، حيث تشير المصادر التاريخية الفلسطينية إلى أن رجلا فلسطينيا هو «أنطوان يعقوب إبراهيم الأعمى» قدم في أغسطس 1937م إلى عصبة الأمم، وإلى لجنة المستعمرات، وإلى وزير المستعمرات في لندن فكرة أقل ما توصف به أنها «مبتكرة» في زمنه لحل النزاع في فلسطين بين العرب اليهود. وربما من المفيد قبل عرض مجمل فكرة الرجل الاشارة إلى أن هذه الفكرة ولدت أو تولدت لدى أبو جمال في اعقاب ثورة واضطراب الأوضاع في فلسطين سنة 1936م بعد ان قررت لجنة «بيل» أو اللجنة الملكية الفلسطينية تقسيم فلسطين الى ثلاثة أجزاء، قسم عربي، وآخر يهودي، وثالث في القدس يبقى تحت الانتداب البريطاني. وهنا أصر الرأي العام الفلسطيني على بقاء فلسطين أرضا موحدة، ومستقلة وتُضْمن فيها حقوق الاقليات. على خلفية هذا الأمر جاءت الفكرة التي ضُمنت كتيبا من 59 فصلا، شٌرحت فيها الفكرة باستفاضة. وجاء عنوان الكتيب «تقرير مستفيض عن اسباب عدم استقرار الحالة في فلسطين: مقترحات الحل» وخلاصة الفكرة تحويل الكتلة المجتمعية في فلسطين إلى مجتمع علماني، في دولة يطلق عليها اسم «إسبرانطين» تجمع العرب، واليهود وغيرهما. تكون لغة هذه الدولة الرسمية والوحيدة «الاسبرنطو» وذلك لتوحيد التعليم وإلغاء المدارس الاجنبية. وفسر صاحب الفكرة أن هناك اهدافاً من وراء تطبيق هذه الفكرة ستتحقق بشكل آلي وهي القضاء على الطائفية، والتعصب الديني، مع اشتراط الزامية التعليم. وتقنين حرية العبادة بمعنى أن القانون يكفل لكل عبادته، واستقلاله الديني الذاتي. المواطن الفلسطيني وعبر هذه الفكرة اقترح لغة الاسبرنطو لانها كانت في تلك الفترة اي اواخر القرن التاسع عشر كانت تعد لغة المستقبل حسب توقعات الخبراء والمختصين. كونها عالمية أو ستصبح عالمية، وستساعد في ردم الهوة بين الشعوب المختلفة. وكما هو معروف لنا اليوم لم تصبح هذه اللغة عالمية كما كان يتوقع لها، ولم تحل القضية الفلسطينية، ولم ينفذ لا حل اسراطين ولا اسبرانطين مع اختلاف الأهداف والمرجعيات في الحالتين. ولعلنا نجد في نص توجه به الفلسطيني انطوان الاعمى للفلسطينيين يحثهم على قبول فكرته، وهو يباشر بإيصالها للجهات الدولية في حينها، كثيرا من الصدق والتحسر حيث يقول: «أحثكم على هذا يا اخواني، أنا الحقير، الذي ذقت ما حل بكم، وتألمت بآلامكم، وشربت كأس الحنظل التي شربتم منها؛ والتي جعلتني أذوب حسرة على بلادي، وما حل بها. وعلى مواطِنْيّ، وما وصلوا إليه».القضية الفلسطينية كما هي قضية رئيسة في كل الاجندات العربية في مساراتها الداخلية والخارجية كانت كذلك حاضرة في خطوط السياسة الليبية واستخدمت في زمن القذافي داخلياً، واقليميا، وخارجياً. لكن من الأمور الجديرة بالتوقف، أنه اضافة إلى استخدام القضية الفلسطينية والبحث لها عن حل من قبل النظام، واظهار مزيد من الحماس للتصدي لكل المشاريع التي تحاول مقاربة حل أو اسلوب للحل في فلسطين كان القذافي يقف بطريقة خاصة تحمل المغايرة، والمخالفة، والخصومة احيانا حتى مع الفلسطينيين أنفسهم. يضاف إلى ذلك ان كثيرا من هذا الحماس كان ينظر إليه من خصوم الرجل على أنه اهتمام بالخارج قبل اصلاح الداخل المتصدع. وكان كثير من الاصوات الليبية يشير إلى ضرورة تمكين الليبيين من حقوقهم الأساسية المغيبة وحرياتهم المنقوصة، وانتشالهم من السجون وإعفائهم من مطاردات اتباع النظام الذين يهددونهم بالتصفية او تدمير أسرهم، قبل السعي لمساعدة الغير حتى ان كان ذلك الغير أخا شقيقاً. ولان هذه الجزئية ارتبطت لدى البعض بتناقض شديد يريد التعامل مع المواقف داخليا وخارجيا بدون واقعية وبلا مصداقية، مما يفرغ العمل، اياً كان من جودته ومحتواه؛ لان فاقد القدرة على العطاء والتأسيس لواقع صادق ومستقر داخليا يكون في الغالب اعجز من أن يطبق ذلك او يصفه كورقة نجاة للآخرين. ويشير كثير من الليبيين بألم إلى المحتوى الذي تضمنه الكتاب الأخضر الذي وجه بشكل مباشر للتطبيق في الداخل الليبي، لخلق نموذج جماهيري على أرض الواقع ليكون نموذجا يحتذى في العالم!! ويرون أن هذا الكتاب لم يؤسس لنظام، ولم يحث على ايجاد قوانين، وعجز عن ايجاد شكل سياسي واقعي لممارسة السلطة وتوزيع القيم بين الناس. بل كان على النقيض من ذلك كله. 