عبدالله الفارس إلى العالمية
الابتكار في العطاء الوطني من الأمور غير التقليدية التي لا تأتي إلا من أولئك الذين تعلو هممهم وينظرون الى الأفق بعقول أكثر ثراء بالفكر من غيرها، وذلك أمر حدث مع كثيرين اسهموا في بناء هذا الوطن بأفكار مبدعة وجديرة بالتوقف عندها استلهاما منها واستشرافا للتالي في المواكبة وتوفر الحافز للتطور والمضي بعيدا عبر الأجيال دون محاكاة أو تقليد أو أفكار روتينية وربما سطحية وغير ذات جدوى على المدى البعيد.من أولئك العباقرة بالمعنى الحرفي للكلمة رجل الأعمال عبد الله الفارس، فهو لم يدر نشاطا استثماريا في إطار الأنشطة الاقتصادية الروتينية، وقد يكون عنوان نشاطه العام هو التجارة التي فيها تسعة أعشار الرزق ولكنه أبدع فيها بما حقق له العائد الذي يطمح له، وصنع قيمة اقتصادية مضافة لاقتصاد وطنه وجعله يتجه في مسار عالمي بفكرة ربما بدت بعيدة للكثيرين عندما بدأ بها، فهو استثمر في الكافيار وذلك استثمار يرفضه رأس المال في بيئة صحراوية مثل بلادنا، ولكن الرجل أتى بالبيئة التي تعيش فيها أسماك الحرفش التي تنتج الكافيار الى أطراف الصحراء في المنطقة الشرقية، وعمليا إنما أتى ببحر قزوين الى هنا، وهنا الجانب العبقري، فدول مثل روسيا تملك ريادة في هذه التجارة الفريدة ولديها البيئة والأسواق التي انفردت بها لعقود، غير أن الفارس أسس لاستثماره في بلاده ووصل بمنتجاته الى روسيا منافسا للكافيار الذي تنتجه.لو أن أحدنا سمع الفارس وهو يتحدث في بدايته عن رغبته أو طموحه لوضع 11 مليون دولار في استثمار غريب، لقال إنه غريب أو به شيء غير طبيعي، ولكن التجربة أثبتت أن فكره سليم ومتقدم على من يستثمرون فهو الآن ينتج كافيار سنويا بأكثر من 12 مليون دولار وأوجد لنفسه سوقا دولية تستهلك منتجاته إضافة للسوق المحلية، ولذلك فهو أضاف للاقتصاد الوطني تنوعا متطورا وتقدم على ما نسعى اليه من تنويع حيث نجده الآن أمامنا في أحد أكثر الاستثمارات جدوى وعائدا اقتصاديا، وذلك المعنى الحقيقي للإبداع الاقتصادي، حيث لم يضع رأسماله فيما يستسهله الكثيرون في مزاحمة بعضهم وإنما أنشأ مزرعة بعيدة عن النطاق العمراني ووفر فيها البيئة الضرورية لتوالد ونمو أسماك الحرفش وصنع استثمارا أقل ما يقال إنه مذهل أصبح حديث العالم، فقد سلطت الفضائية الألمانية الضوء على تجربته ومشروعه بمزيد من الإبهار والانبهار في وقت لم يكن فيه الكثيرون يعرفون عبد الله الفارس أو ماذا يستثمر.تلك هي الروح التي نطمح اليها أن يبدأ الفرد من الصفر في مشروع مبتكر ويدرسه ويقف عليه ويثق في نفسه وقبل ذلك في الله ويتكئ على القاعدة الاقتصادية القوية لبلادنا وينطلق فيما يحسنه ويجيده، فذلك حتما يفتح أمامه أبوابا مغلقة ويضعه في طريق يمكن أن يكون فيه وحده عند وصوله مرحلة التعادل الاستثماري بتعويض خسارته وتمتعه لفترة طويلة بأرباح مجزية قبل أن يصله منافسون مزاحمون، وحينها يمكن بخبرته أن يطور استثماره ويتوسع فيه أو يستبدله ببديل آخر ينفرد فيه أيضا وهكذا، لذلك نرفع القبعة للشيخ الفارس لأنه أحد فرسان بلادنا الاقتصاديين ونجح في رفع شعار صنع أو انتج في السعودية في صمت.