فهد السلمان

الطب بين عجز المستشفيات وتقتير الجامعات

رغم أني أنحاز إلى معايير الكفاءة والجدارة في تشغيل قطاعي التعليم والصحة، وضد إخضاع هذين القطاعين بالذات لنظام السعودة على حساب المعيارين المشار إليهما، إلا أن التعامل مع الواقع القائم والذي يساوي هذين القطاعين على أهميتهما الاستراتيجية في حياة الوطن والمواطن مع بقية القطاعات، حيث لا صوت يعلو فوق صوت السعودة يدفعني لأن أتساءل مثل غيري من المواطنين: طالما أن كل الخطط تذهب باتجاه سعودة كافة القطاعات حتى قطاعي التعليم والطب، وطالما أن التعليم لا يشكو من هذه القضية أعني أنه يكاد يكون قد تمت سعودته إلا قليلا، فلماذا لا تفتح الجامعات القبول في كليات الطب بشكل أكبر لسد العجز القائم في وظائف الأطباء، ومساعدي الأطباء من الفنيين والمهنيين؟، خاصة وأن الاحصائيات الحديثة تشير إلى أن هنالك حوالي (29) ألف طبيب يعملون في المستشفيات الحكومية، وأن نسبة الأطباء السعوديين من بينهم لا تتجاوز (30%) فقط، حيث يقدر عدد الأطباء السعوديين العاملين في المستشفيات الحكومية وفق احصائية نشرتها الزميلة «الاقتصادية» مؤخرا بنحو (8717) طبيبا وطبيبة، وهي نسبة متواضعة جدا، مقابل (70%) من الأطباء الأجانب، في الوقت الذي لا يكاد يتجاوز فيه القبول السنوي بكليات الطب في بعض الجامعات في الداخل أكثر من 30 دارسا ودارسة. هذا إلى جانب وجود تسرب كبير من الأطباء السعوديين المتميزين باتجاه القطاع الخاص، ربما لإغراءات المقابل المادي والبدلات والمرونة في أوقات الدوام، وهو ما عجزت وزارة الصحة منذ عقود عن حل لوغارتماته، والتفاوت الكبير بين مرتبات السعوديين وعقود أقرانهم من الأجانب الذين يتقاضون مرتبات أكبر من نظرائهم المواطنين بحكم العقود المبرمة معهم، والأمل معلق بمعالي الوزير النشط دكتور توفيق الربيعة لإنصاف مواطنينا من الأطباء على ضوء مهاراتهم وخبراتهم. أما الحديث عن التأمين الصحي وحكايته الشهرزادية المملة، فسيبقى في خانة الحلم الطويل، أو اليأس الكليل كما هو حاصل الآن وإلى ما شاء الله، لكن يجب- في تقديري- ألا يثنيناـ إن كان حلماً عند البعض- عن التفكير في حلول سريعة للواقع الصحي المتردي والقائم بالتحديد في مدن الأطراف، من حيث ندرة التخصصات والمهارات الطبية القادرة على تخفيف الضغط عن مستشفيات المدن الكبرى، وكذلك كبح جماح المتاجرة بأمراض الناس والتي جعلت المجمعات الصحية، والعيادات، وما كان يعرف بالمستوصفات تنتشر في مدننا وقرانا أكثر من انتشار البقالات والصيدليات وخياطي الملابس النسائية، في استغلال فاضح لضعف الخدمات الصحية الحكومية.وهنالك مشهد طالما استفزني، ولا يزال يستفزني كل يوم حيث أُقيم، وأراه في طريقي رأي العين، حينما تحتشد سيارات المرور صباحا ومساء لتنظيم حركة السير أمام أحد المستوصفات الأهلية، لفك الاختناقات من حوله، فيما تصفر الريح في بوابة المستشفى الرئيس في المدينة في معادلة مشوهة ومقلوبة، وكأنه بلا حياة. لذلك أعتقد أنه لابد من وجود تنسيق بين وزارة الصحة ووزارة التعليم لإعادة النظر في مسألة القبول في كليات الطب في جامعاتنا لمواجهة نقص الكوادر، ولمعالجة الاشكاليات في كفاءة المخرجات، والتي تبقي الخدمات الصحية على الدوام في مرتبة لا تليق ببلادنا.