لا وقت للغد «2-2»
أي قارئ لقصيدة «لاعب النرد» تحتشد في ذهنه أسئلة كهرم من دموع، وتختلف من فرد إلى آخر اختلاف ألوان ثمر يسقى بماء واحد.. فهناك من يسأل: هذا القدر الإغريقي الذي نسميه صدفة ما هو؟ وتلك الإرادة البشرية التي تروض الجبال هل أصبحت كرة بين أقدام الصدفة؟ وهل يتجه سؤال القصيدة إلى الذات أم الحياة؟الفلسفة الوجودية التي قامت على أن «الوجود سابق على الماهية» أي إن المرء بعد وجوده هو الذي ينسج ماهيته بإرادته الحرة التي بلا ضفاف.. أين هي يا محمود درويش؟ لماذا قسوت على نفسك وعلينا إلى هذا الحد؟!أين أنت منك نفسك حين قلت: «هزمتك يا موت الفنون جميعها» وإذا بك تحمل على كتفيك موت اليقين لتقول: «من أنا لأخيب ظن العدم؟» صحيح أنه يقين شعري ولكنه يجعل الحياة أملا يجيء ضاحكا لكل قلب.لقد قيل: إن القصيدة مستوحاة من قصيدة استيفان مالارميه «رمية النرد» ولكن هذا الهاجس كان في أعماق درويش قبل هذه القصيدة:«إن مشيت على شارعلا يؤدي إلى هاويةقل لمن يجمعون القمامة: شكراإن رجعت إلى البيت حياكما ترجع القافية بلا خللقل لنفسك: شكرا.. الخ»هل تأثر درويش بحفنة من الفلاسفة العدميين النيتشويين الذي تنكروا لفلسفة التنوير وراحوا يسخرون من قدرة العقل على إضاءة الطريق إلى الحقيقة، بل قالوا– حسب محمد المزوغي– «إن الحقيقة لا وجود لها»؟لا يمكن أن يعتقد بهذا من قرأ درويش جيدا «سأكون يوما ما أريد» ويقول:«لم أولد لأعرف أنني سأموتبل لأحب محتويات ظل اللهيأخذني الجميل إلى الجميل..»ما أعتقده أن شعوره الحارق باجتثاثه من وطنه واجتثاث وطنه منه.. ومداهمة الضعف الإنساني له من تكرار دخوله المستشفى بسبب قلبه.. وما رأى ويرى «من المفردات التي انقرضت من لسان العرب» ولا تزال.. كل هذا أنطقه بما يشعره بسرابية الحياة ودفعه إلى السؤال بإلحاح: «من أنا؟ من أنا؟»يكفينا يا محمود أنك علمتنا أن:«على هذه الأرض ما يستحق الحياةأول الحب/ عشب على حجر/ وخوف الطغاة من الذكريات.. الخ».