إيران وسياسة توسعة المجال الحيوي
الذي يتابع لغة الخطاب السياسي في كل من المملكة وإيران، فيما يتصل بالعلاقات بين البلدين، ويحاول أن يقرأه بإنصاف، وبعيدا عن النوايا المبيتة، لن يعدم وقتا في الوصول سريعا إلى ما مؤداه أنه أمام خطابين مختلفين في قضية واحدة، ففي الخطاب السعودي هنالك رغبة واضحة في البحث عن المشتركات بين البلدين، ومن ثم البناء عليها، مع التأكيد على احترام المملكة للشعب الإيراني، والتقدير لحضارته، بوصفه جاراً أزلياً لا مجال لتحييده، أو انكار حقوقه، وهي اللغة التي طالما سمعها الجميع من الدبلوماسيين السعوديين، وفي مقدمتهم المغفور له بإذن الله الأمير سعود الفيصل رحمه الله، وتاليا معالي وزير الخارجية الأستاذ عادل الجبير، الذي لا يزال يردد في كل المحافل الدولية أننا نريد بناء أحسن العلاقات مع الجمهورية الإسلامية في إيران، ولكننا نريد أن نلمس حسن نواياها عبر الأفعال والسلوك وليس من خلال الأقوال، على أن يكون هنالك خطاب إيراني واحد يمثل إيران بمجملها، لا أن نستمع إلى وزير خارجيتها بكلام ظريف، ما يلبث أن يفقد كل مقومات ظرفه بتصريح صاخب للولي الفقيه أو أحد جنرالات الحرب ينسف فيه كل النوايا الطيبة، ويستحضر لغة الخصومة والتهديد والوعيد تجاه الجوارـ كل الجوارـ والمملكة في المقام الأول بطبيعة الحال. مشكلة إيران الخميني أن لها لسانين مختلفين، وأذرعا متحدة، فهي تمتلك لسانا له رقة لسان شاعرها الخيام وحكمته، لكنه يوظف للمزايدات للأسف، وآخر له لغة متشددي الملالي الذين يتفننون في إطلاق النعوت والشتائم على خصومهم، وهذا هو لسان حالها الذي يمثل واقعها السياسي والعسكري، بينما لها أذرع متحدة لا تعمل إلا بمبدأ الدسائس والمكيدة وهي الحرس الثوري، والفيالق الإرهابية التي تدور في فلكه، كفيلق القدس وفيلق بدر، وحزب الله وعصائب الحق وغيرها وغيرها، الأمر الذي جعلها الدولة الأكثر مخاتلة في كل علاقاتها حتى مع أصدقائها. وكان بوسع إيران أن توسع مجالها الحيوي بكثير من الكياسة، وبعيدا عن طامة تصدير الثورة، كانت أمامها كل الفرص كبلد ثري يمتلك قواعد انتاج كبيرة أن تستفيد من أكبر الأسواق العالمية المتمثلة في السوق الخليجي الذي يمكن أن يستوعب الكثير من المنتجات الإيرانية، وكانت أيضا أمامها كل الفرص للتعاون مع دول الخليج التي لم يكن لها في أي يوم من الأيام، أي مطمع في الداخل الإيراني، حتى أنها لم تحاول تصعيد قضية احتلال الجزر، وإنما اكتفتْ بالتذكير من حين لآخر بالحق الإماراتي في استردادها، لكن تورط ثورة الخميني بمبدأ حماية الأقليات المذهبية لبسط النفوذ الفارسي على المنطقة، عطّل كل تلك الآمال التي كانت كفيلة بجعل إيران قوة اقتصادية كبرى، عوضا عن هذه الخسائر الكبيرة التي تكبد الشعب الإيراني ثلثي موازنة بلاده سنويا في الانفاق على أوهام التوسع المذهبي، وضخ الأموال وقطع السلاح إلى تلك العصابات التي تتبناها، والتي ربما تكون قد فتحتْ لها أبواب بعض العواصم العربية لبعض الوقت، لكن تلك العواصم ستستفرغها حتما بمضاداتها العروبية عاجلا أو آجلا كما يتقيأ المرء مكونات أي وجبة مسمومة.