المسرف ليس بكريم!
أخذ والدي يمدح كرم أحد الأشخاص ويثني عليه، رغم أني لم أر الضيوف داخلين خارجين من عنده، كما هو حال غيره ممن نصفهم بالكرم!فقلت: ولكن مجلسه ليس بالكبير!قال: الكرم ليس بحجم المجالس!الكرم قيمة سامية ومما نفخر بأنه ميزة من ميزات مجتمعنا، بل إنها من صميم ديننا، وفي الحديث الشريف عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت، ومَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره، ومَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه»، ولذلك فإن واجبنا المحافظة على هذه القيمة النبيلة كما ورثناها عن آبائنا وألا ندعها ألعوبة بأيدي السفهاء!مَنْ يقيم الولائم كل ليلة وهو لم يسدد ديونه، هذا يعاني من خلل في مفهوم الكرم، وإلا فلماذا لا يكون كريماً مع مَنْ أكرمه بماله وهو قادر على أن يدفع كل ليلة آلاف الريالات؟!مَنْ يصرف الأموال من أجل أناس شبعانة في بيوتها ولا تأتي إلى وليمته إلا وهي محرجة، بينما ابن عائلته أو قبيلته أو مدينته لا يجد عشاء أولاده، هذا يورد على نفسه الشبه بأن كرمه ليس كرماً حقيقياً، بل كرم رياء وبحث عن مصالح زائلة!مَنْ يقيم وليمة لمائة شخص بينما الحاضر عشرة أشخاص، هذا يعاني من سفه وبعد عن الحكمة واضح، بالإضافة إلى إخوة الشياطين التي ذكرها المولى في كتابه!نحتاج إلى الكرم الحقيقي الذي كسب به آباؤنا الذكر الحسن، وما عند الله خير وأبقى، وذلك بوضع الشيء في موضعه كما هي الحكمة، التي مَنْ أؤتيها فقد أؤتي خيراً كثيراً، ولقد كانت كلمة الآباء الشهيرة على اختلاف اللهجات «الجود من الموجود»، فبهذا الكرم بقاء المجتمع ومحافظته على وحدته وتقدمه!ونحتاج إلى أن نعالج ظاهرة الإسراف لأن عقوبتها لا تختص بصاحبها، بل قد تكون على المجتمع الساكت بأكمله، ولذلك يجب ألا نتأخر في الإنكار والتوعية بجميع الوسائل الممكنة، وأن نقدم أنموذج الكرم الحقيقي في مناسباتنا وأفراحنا، مع السعي لمقاطعة ولائم السرف والمباهاة.تنبيه مهم: لا يُسمح باستغلال ما سبق في مهاجمة أهل الكرم من البخلاء، الذين لا تعرف الناس أبواب بيوتهم، ومع ذلك يتطوعون بمناسبة وبغير مناسبة لإيذاء مَنْ تفوقوا عليهم بالكرم تحت ستار مهاجمة الهياط والإسراف!