كلمة اليوم

طهران وصناعة المخاض المأزوم

لا أحد يستطيع أن يتنبأ كيف سيكون عليه واقع الحال في المستقبل القريب في منطقة الشرق الأوسط بعد هذا الخلط الكبير في الأوراق، وبعد أن بارك المجتمع الدولي، أو تغاضى أو تعامى وتجاهل ما يحدث في المنطقة من اختراقات كبرى، وسمح بالتالي لدولة كإيران أن تتمدد بتحالفاتها على حساب الهويات الوطنية والقومية، بحيث تعمل حتى ضد مصلحة نفسها على المدى البعيد، لأن ضمير الأمة وإن أجبرته الظروف القاسية والمؤامرات الدولية على الحياد أو الكفاح بشيء من الاستكانة، إلا أنه لن يقبل بأي شكل أن يرى ثرى بلاده وهو يُدنّس بأحذية العسكر الغزاة، وبالتالي فإن المستفيد الوحيد من هذا المخاض العسير هو الكيان الإسرائيلي الذي لم تتسن له طوال تاريخ وجوده ومنذ عام 1948م حالة استرخاء لعناصره العسكرية كما هو الحال الآن، بعد أن قدمت له حكومة الملالي أكبر خدمة جيوسياسية لينصرف إلى بناء مكوناته الداخلية، ويتعامل مع الجبهات عبر المناظير وحسب، إذ ليس هنالك ما يُقلق وجوده أو يهدد أمن حدوده المحتلة، حيث تكفلت إيران والميليشيات المتحالفة معها بإشعال الساحة العربية، ودفع حكوماتها للالتهاء عن القضية المركزية إلى تلك الحرائق الطائفية التي أشعلتها، وأشغلتْ المنطقة بها، لتوفر بالنتيجة لإسرائيل هذه الأجواء الآمنة التي لم تتوافر لها حتى في أقسى حالات الانكسار العربي، إلى درجة أن حكومة اليمين المتطرف التي تحكم إسرائيل اليوم بات يُنظر إليها من قبل دول العالم على أنها حكومة ديموقراطية متوازنة ومعتدلة، وهو ما لم يتوافر لنتنياهو الذي يرأسها في حكوماته السابقة، عندما وجد نفسه غير مرة في مرمى الانتقادات الدولية نتيجة لسياساته العدوانية، لكنه الآن وبفضل التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وبعدما غطّت الممارسات الإيرانية طغيانه في هذه المرحلة، فقد أصبح رجل سياسة يدير شؤون بلاده الديموقراطية في عالم مليء بالاضطرابات، وقد يوفر له هذا الوضع القائم فرصة الحصول على جائزة نوبل للسلام، لأن الإجرام الذي صنعته إيران في المنطقة جعل نتنياهو يبدو كما لو أنه من فصيل الحمائم، مما أفقد القضية الفلسطينية زخمها وقوة حضورها، وحوّلها إلى قضية هامشية، لا تكاد ترد إلا في ذيل قائمة الأخبار، وليست أكبر نزاع وجودي بين قوميتين على مدى أكثر من نصف قرن، حتى أن البعض لم يعد يتذكر أن إسرائيل دولة محتلة، لأن الاحتلالات الإيرانية المتتالية سوّغت مفردة الاحتلال، وحولتها إلى حماية حقوق الأقليات وإلى ما هنالك من الدعاوى الباطلة، ولا يزال للأسف هنالك من ينخدع في الدعاوى الإيرانية، ويُصدّق الإعلام الفارسي، والإعلام الذي يموّل من هناك من أن الإيرانيين قد دخلوا الأرض العربية وهم في طريقهم لتحرير فلسطين، ولكن لا أحد من هؤلاء لديه أي استعداد للإجابة عن سؤال: ما إذا كان تحرير القدس يستدعي احتلال بغداد، ودمشق وبيروت؟ أم يستدعي دق كل أسافين الشقاق بين أخوة النضال في فتح وحماس؟ أم يستدعي إشعال الطائفية في كل بلدة وقرية تطؤها أقدام ميليشياتهم؟.الإجابة عن هذه الأسئلة هي فقط ما يحدد ماذا تمثل القضية الفلسطينية للعقل الفارسي الذي تكفل بصناعة هذا المخاض المأزوم.