سالم اليامي

ليبيا .. السياسة والظمأ

في العالم الثالث، عادة ما يتوجه الاهتمام إلى العناوين العريضة، المبهرة. وإلى المشروعات العملاقة. وفي نفس الوقت يتم تجاهل القضايا الاساسية واللصيقة بحياة الناس، وسعادتهم ونشر قيم العدالة، والمساواة، بينهم. وخلال العقود الماضية استمعنا إلى عدد هائل من الالقاب والأوصاف في ليبيا لمعمر القذافي وكان من بين هذه الالقاب «مهندس النهر العظيم»، أو الاعجوبة الثامنة في العالم كما كان يحب هو نفسه أن يصفها. يقال إن التلفزيون الليبي كان يبث قبل مواعيد نشرات الاخبار وقبل البرامج المهمة صور تدشين انطلاقة أعمال النهر الصناعي العظيم التي تمت في العام 1984م ولكن بعد فترة من قيام المشروع واكتشاف ثغرات فنية حينها في اجزاء من المشروع حاول الرجل الابتعاد عن القصة بكاملها، وعلى طريقة الساسة في العالم الثالث الذين لا يتبنون إلا ما يعتقدون انه نجاح خالص، أمر بعدم استخدام لقب مهندس النهر الصناعي العظيم، ومعه بطبيعة الحال، مَنَع عرض المشاهد التلفزيونية التي ازعجت الناس.ويأتي تكثيف الحديث عن النهر الصناعي في ليبيا لأمرين، الأول انه من الامور التي كانت محل خلاف بين الليبيين ومازالت إلى يومنا هذا، الأمر الآخر أن التردي الأمني في البلاد الليبية الذي سمح بظهور تنظيمات مسلحة مثل ما يعرف بتنظيم داعش وغيرها سمح ايضا بسيطرة هذه التنظيمات على منشآت النهر وأثر ذلك بنسب متفاوتة على وصول المياه إلى اكثر من مدينة ومنها العاصمة طرابلس مما يعيد جدلية الجدوى من المشروع برمته، وضرورة ان تكون محاطة بغلاف سياسي وأمني واجتماعي من نوع مختلف بالكامل. وقصة النهر الصناعي أو منظومة النهر الصناعي وهذا اسمه الحالي أي بعد ثورة 17 فبراير بعد ان كان يسمى بطريقة رسمية مشروع النهر الصناعي العظيم، والذي كان ذا ارتباط ذهني وعاطفي بشخصية القيادة في البلاد، بل كان رمزا من رموز عبقريتها كما كَتَبَ وأشار بذلك اكثر من باحث، أقول هذه القصة جديرة بأن تروى لأنها في تقديري تخفي وراءها شيئا من الظمأ السياسي الذي عاشته البلاد وعاشه الناس في ليبيا، وربما يعكس بعضا من المستقبل الذي أزعم انه لن ينعم على المدى القريب بارتواء حقيقي!! فكرة المشروع كما تقول المصادر التاريخية برزت على خلفية تقارير الشركات الأجنبية التي نقبت عن النفط في ليبيا مع مطلع الخمسينيات، والتي اكدت ان الجنوب الليبي يعوم على بحار من المياه العذبة تكفي لسنوات طويلة، ويقال ان فكرة نقل المياه من الجنوب إلى المدن، وبخاصة إلى السواحل طُرحت في زمن الملكية، ولكن لم تجد صدى مناسبا. وتذكر مصادر اخرى ان الفكرة لمواطن ليبي يدعى بشير جودة تم التخلص منه بحقنه بأدوية مسرطنة وتوفي في وقت وجيز، وهذه قد تكون رواية الخصوم للنظام حينها وهي من الروايات الضعيفة تداولا بين الناس. ولان الفكرة لقيت استحسانا طار بلب العقيد القذافي الذي كان يبحث عن مشروع مادي ضخم يوازي السد العالي في حياة جمال عبد الناصر، ولولع الرجل بالظهور كباني للمشروعات العملاقة التي عادة ما تَشغل الرأي العام الداخلي في العالم الثالث، أوعز للجان الشعبية بتبني الفكرة في العام 1983م ووضع حجر الاساس لانطلاق المشروع في العام الذي يليه، وفي العام 1996م وصل المشروع إلى النقطة النهائية أي العاصمة طرابلس.جوهر فكرة المشروع يصعب تصورها ابتداء إلى حد بعيد، لسببين الاول انها لم تجرب من قبل، الثاني ان هناك بدائل مجربة ومجدية واقل كلفة تستخدم لدى دول مجاورة. وتتم عملية نقل المياه من الجنوب الى الشمال والشمال الغربي في انابيب عملاقة يبلغ قطرها اربعة امتار وطولها سبعة أمتار، مصممة من الخرسانة المسلحة بمواصفات فنية خاصة تدفن تحت بحار من الرمال القاحلة تقل نسبة المطر السنوي فيها عن 5 مليمتر في العام!! الهدف من كل ذلك اقامة ثورة صناعية، وزراعية، وحل مشكلات الري ومكافحة العطش الذي اصبح شبحا في بعض المدن والمناطق الليبية. الحقيقة المرة التي يمكن ان يقف عندها المرء في ظل هذه الرغبات الفردية والهدر المخجل للمال أن ليبيا ليس بلدا زراعيا حيث لا تشكل المناطق الصالحة للزراعة أكثر من 7% من اجمالي المساحة الشاسعة، ثم ان هناك تغافلا عن تقنية تحلية المياه من السواحل الليبية التي يبلغ طولها على ساحل المتوسط 1900 كيلو متر! المهم أن المياه في الشمال الليبي تخزن في خمس بحيرات ضخمة ومنها يتم التوزيع على المدن والمناطق، وظهرت جملة انتقادات وفساد في المشروع منذ وقت مبكر وحتى بعد رحيل نظام القذافي منها ان بنية شبكات الري للزراعة والشرب متخلفة جدا في المدن، رغم التكلفة العالية بل المبالغ فيها للمشروع عند البعض، والتي قيل انها حُددت في البدء بخمسة وعشرين إلى سبعة وعشرين مليار دولار، ولكنها وصلت الى خمسة وثلاثين مليار دولار. وهناك من يقول ان التكلفة المادية تجاوزت هذه الارقام لان التعليمات من رجل النهر ومهندسه الاول كانت تقضي بعدم تعطيل حركة العمل في المشروع بل وتحث حسب البعض على الاغداق على هذا المشروع، وتذكر بعض الصحف الليبية التي صدرت في تلك الحقبة أن القانون او المرسوم الذي أُنشئ بموجبه هذا المشروع عبر اللجان الشعبية العامة كان ينص على أن تُفْرض رسوم اضافية على بعض الخدمات الروتينية لصالح مشروع النهر. الذي اصبح معركة الدولة والقائد والناس. الاخطر في هذا الجانب أن هذا الامر تزامن مع خفض في ميزانيات التعليم والصحة والبنية التحتية في البلاد!! لان هناك فكرة كانت مسيطرة حينها وهي بناء الحضارة بشكل مادي، اهم من بناء الانسان. وكأن العكس واعني به بناء الانسان ليس هو الحضارة بعينها!!القائد كان يردد في فترة رضاه عن سير مشروع النهر على الناس وبطريقة مملة وغير مفهومة ان هذه المعجزة الليبية العظيمة ستجنب ليبيا وافريقيا والمنطقة ما كان يسميه حروب الغذاء، وصراعات المياه. ولكن تبين للناس أن الهدف السياسي من وراء هذا المشروع كان الظهور به كمنجز تفخر به الثورة الليبية، ويتباهى به النظام الذي ابرز كلمة بشكل لافت للسيد لويس فاراخان زعيم ما يعرف في الولايات المتحدة الامريكية بأمة الاسلام الذي قال في احدى المناسبات الخاصة بالمشروع إنه «معجزة أخرى في الصحراء» وبعد مضي ثلاثة عقود على انطلاق النهر الصناعي في ليبيا، فإن الناس تعتمد عليه بصورة حقيقية، ولكن البديل سيكون مرعبا او مكلفا إذا ما نضبت المياه الجوفية المخزنة لآلاف السنين، وعندها سيثور التساؤل لأي شيء ستستخدم هذه الاطنان من الخرسانة المسلحة المدفونة في رمال الصحراء كأنها قبور من حضارات بعيدة. وتحدثت مصادر دبلوماسية في ليبيا أنه في فترة اعلان مشروع النهر فإن بعض وكالات الاستخبارات الدولية لم تستوعب الفكرة، وذهبت الظنون بالبعض إلى ان الامر قد يكون له علاقة ببناء مخابئ للسلاح على شكل انفاق في الصحراء. كان حلما كبيرا وغريبا ومكلفا تم تحقيقه على حساب الانسان ورفاهيته وحريته في ليبيا، ولم يكن لدى الناس وسيلة لمخالفة الفرد المستبد الذي تأتي احلامه على حساب حقوق البسطاء من الناس.