وماذا بعد رمضان
في شهر رمضان الكريم، يتسابق المسلمون على الإخلاص في العبادات، والحرص على فعل الخيرات، وبذل المزيد من الصدقات، والتعامل بالحسنى فيما بينهم، وهذه من فضائل الشهر الكريم، لكن أخلاق رمضان لا تستمر لدى بعض المسلمين عفا الله عنا وعنهم، فما أن يودعوا رمضان، حتى يودعوا معه ما كانوا عليه من الأخلاق الكريمة، والطباع المستقيمة، والعبادات المخلصة القويمة، وهي حالة من عدم الثبات على الإيمان، لا يعرفها من يخشون الله في السر والعلن، فيعملون لدنياهم كأنهم سيعيشون أبدا، يعملون لدينهم كأنهم سيموتون غدا، فهم يعملون لدنياهم ودينهم معا، لا فرق لديهم بين رمضان وغيره من الشهور. ولعل من علامات القبول هو الاستمرار في السلوكيات الرمضانية في ما بعد رمضان، ومن حسن إيمان الإنسان أن لا ترتبط سلوكياته الحسنة بزمن محدود، فإذا انقضى هذا الزمن عاد لسلوكياته غير الحسنة، والطباع والصفات الحسنة الأصيلة لا ترتبط بزمن محدود، إذا كانت راسخة في وجدان المسلم، وعميقة في مشاعره، وإلا أصبحت نوعا من التظاهر، بل هي إلى النفاق أقرب، وعلاقة الإنسان بربه لا صلة لها بالنفاق الذي قد يلازم علاقاته مع الناس، لهدف معين أو غاية يرجو من ورائها تحقيق مكسب مادي أو معنوي. أصحاب الطباع الشرسة، هم الذين لا يشعرون بقدسية الشهر الكريم، ولا يرعون حرمته، ولا يراعون حقوقه، ولم تثبت قلوبهم على الإيمان، وهم في ذلك ينسون فضائل الشهر الكريم، بنسيانهم لأخلاقه، والأجدى هو ترويض النفوس على الخير، وتطويعها لنبذ المنكرات، فالإنسان يكتسب إنسانيته من حسن طباعه، ومن التزامه بالأخلاقيات التي تقربه من الله، كما تقربه من الناس، حيث لا تستقيم الحياة الهانئة السليمة بغير هذه الأخلاق، بعيدا عن المنغصات التي تجلبها الطباع الشرسة، والصفات السيئة، مما لا يليق بالإنسان الذي كلف بإعمار الدنيا لا بتدميرها، وما الطباع الشرسة والصفات السيئة سوى معول هدم لكل ما يبنيه الخيرون من إنجازات هدفها إسعاد البشر، والخروج بهم من مأزق الآثام والشرور. الاستمرار في ممارسة أخلاق رمضان العظيمة هو ما يحتاج إليه المسلمون للنجاة مما يعانونه من أزمات حادة، وحروب طاحنة، وخصومات مستحكمة، وأساس كل الشرور والبلايا هو ابتعاد الإنسان عن الخير، وترجيحه لكفة الشر، وللخير والشر ميزان إذا رجحت فيه كفة الخير، سارت الحياة هانئة مستقرة، أما إذا مالت كفة الشر فالويل الويل للبلاد والعباد، ومع أن هذه الحقيقة يدركها الجميع، لكن بعضهم يأبى التسليم بها، عندما ينتصر للشر على حساب الخير، أي على حساب الأمن والسلام والاستقرار لا فرق في ذلك بين الدول والجماعات والأفراد، وهذا الصراع الأزلي بين الخير والشر، يتعدى حدوده الطبيعية، بسبب طغيان المتنفذين وسطوة المتجبرين وقسوة المتسلطين. لا أمل للإنسان في الحياة الحرة الكريمة إلا بالخير، وما يعنيه من مكارم الأخلاق ومعالجة الأزمات بالحكمة والموعظة الحسنة، وتجاوز الخلافات بالتي هي أحسن، ومواجهة الأزمات بالتسامح والمحبة، وهذه هي أخلاق رمضان بل هي أخلاق الإسلام التي لا مفر من التقيد بها إذا أردنا للحياة أن تستقر، وأردنا للأمور أن تسير في اتجاهها الصحيح، بعيدا عن الأحقاد والأطماع التي تسفر بوجهها القبيح عند من لا يعترفون بحقوق غيرهم في الحياة الآمنة الحرة الكريمة، أو من لعبت بهم الأضواء، وضعف إيمانهم ليصبحوا طوع بنان الأشرار الذين يسخرونهم لارتكاب المنكرات والموبقات، وغيرها مما حفل به هذا العصر الضائعة فيه الحقوق، والكاثر فيه العقوق. لتكن أخلاق رمضان سلوكنا الدائم حتى بعد انتهاء الشهر الكريم.