الجريدة الصفراء الغثيثة
قضينا عقوداً يُعيّر بعضنا بعضاً بأوروبا وأمريكا وانهماك الناس هناك في القراءة؛ فهم يقرأون أثناء انتظارهم وقبل نومهم وبين الوجبات. لا يقرأون اضطراراً مراجعةً للدروس أو تحضيراً لاجتماع، بل رغبة في المعرفة والاستزادة. وأخيراً تحققت أماني أجيال من المعلمين والتربويين فأصبحنا نقرأ، بل إن القراءة اختطفتنا مما حولنا فتجدنا نقرأ في كل موقف؛ أثناء الأكل، وفي الحصص والمحاضرات، ونحن نقود السيارة، وأثناء اجتماع الأسرة، ونحن نلعب «بلوت» مع الأصحاب في الاستراحة، بل ان هوس القراءة وصل حداً متقدماً فتجد أنك في عشاء رومانسي مع زوجتك لكنها لا تأبه بكل ذلك ولا بك لتقرأ، أو قد تستبقها أنت لذلك بالمبادرة بالقراءة، ثم يأتي الطعام لتجد أنك تبحلق في الأكل بعين واحدة فيما الأخرى تحرص على مواصلة القراءة تاركاً أو غافلاً تماماً عنها وعن الشق الرومانسي من العشاء. وفيما يقول صاحب الأغنية المشهورة معاتباً: «لا تناظرني بعين»! ثم تبعته صاحبة الأغنية معاتبةً تقول: «تناظر الساعة؟!» أصبحنا الآن لا «نناظر» أي شيء سوى شاشات جوالاتنا! وقد أخذ الأمر منعطفاً، فتجد موظف البنك يقرأ، والحارس يقرأ، وموظف الاستقبال يقرأ، وعامل محطة البنزين يقرأ، والخادمة المنزلية تقرأ.. كلهم يقرأون، ليس في أوقات راحتهم، بل أثناء تأدية الوظيفة.هل هذا الشغف المستجد بالقراءة هو صحوة ضمير بأن علينا أن نوسع مداركنا وثقافتنا، أم أنه شغف بالتفاصيل، وتفاصيل التفاصيل، وبالرسائل المدورة والمكررة، وبالإشاعات التي تلهي الناس وتهدر أوقاتهم؟!ولنستبق الإجابة عن السؤال السابق بسؤال: ماذا نقرأ ولمن نقرأ؟ حتى لا نظلم أحداً، فهناك من يقرأ متابعة لأمر شخصي طارئ، وثمة من يتابع أخباراً عاجلة مما لا يمكن تأجيله، ولن يعيق قيام الشخص بواجباته الوظيفية، أو الاهتمام بمن حوله. لكن الحالة العامة- فيما أظن- أن واتساب هو المتسيد، فكل منا إما أطلق مجموعة (جروب) أو أكثر، أو أن بعضاً من معارفه ضموه لمجموعة أو أكثر، وستجد أن الجميع ينقل ما يصله من صور وتحاليل ومقالات ونكت ومقاطع، بل إن بعضنا يتحمس لينقل ما يصله حتى دون قراءته! فهل نحن نقرأ أم نعيد إرسال؟ لا فرق عندي، لكن عندما نبحلق في جوالاتنا فهل نحن نقرأ لنفهم أم نقرأ للنقل، أم نقرأ لنهرب، أم نقرأ لإشباع فضول مرضي نتلصص من خلاله على خصوصيات البشر؟ كذلك لا فرق، فلدي سؤال مؤرق: هل نضحك على النكات التي نتلقاها؟ أم نرسلها دون حتى أن نضحك؟ غرض السؤال: ما دافع كل هذا الحرص «للمشاركة» في معلومات تلقيناها ولم نكترث حتى أن نقرأها، ثم نرسلها لآخرين؟! أم لأنها «مشاركة» مجانية لا تكلفنا شيئاً ولا حتى صرف بضع دقائق لانتقاء الغث من السمين؟ هل نقرأ التحليل السياسي أو الاقتصادي أم أننا ننقله دون قراءته حتى لو كان يتعارض مع وجهة نظر من نقله؟ فإن لم نقرأه فلم نعيد إرساله؟! الأمر محيّر بالنسبة لي، وقد يقول أحدكم: ليست مَهَمة المشاركين في مواقع التواصل الاجتماعي القراءة والنقل فقط، بل هم يكتبون ويعربون عن آرائهم. صحيح، لكن ستجد هناك مَن يتعامل مع «الجروب» الذي أسسه باعتباره مجلسه الافتراضي؛ ينشر فيه سوالفه وسفراته وتعليقاته ويروج لوجهة نظر معينة، أي أشبه ما يكون بالنشرات الترويجية للشركات! صوره وهو يُفطر، وهو في العمرة، وهو ممسك بالقرآن الكريم، وهو مدعو على وليمة إفطار، وصوره وهو داع لوجبة إفطار!ما الحل؟ ليس من حل سوى أن نفهم أن القصد من القراءة توسيع الافق، أي علينا أن نقرأ لنفهم أكثر، لا لنكون محطات «عمياء» تعيد إرسال ما يصلها. ولا يمكن الاستهانة بقدرة أسلوب إعادة الارسال «العمياني» على نشر الشائعات وسريانها بما قد يحجب أو على أقل تقدير يشوش على الحقيقة؛ وبطبيعة الحال هناك من ينشر هذه الأخبار بتلقائية بإعادة نشرها دون كثير تفكير أو ليبدي تأييده، لكن بالمقابل هناك من يطلق «بالونات» اختبار، وهناك من يصيغ الشائعات عن سبق اصرار وترصد ليؤثر على الرأي العام لسبب أو لآخر، ولن يستطيع أحد منع ذلك، لكن الجميع يستطيع أن يقرأ قبل أن يعيد الارسال حفاظاً على عقولنا وعقول الآخرين من حولنا، وإلا تحول التواصل في مجتمعنا إلى جريدة صفراء هائلة تَلفُنا جميعاً بغثائها، فنخرّب عقولنا بأيدينا.