خليل الفزيع

الاهتمام بجوهر الأمور

لا شك أن الاهتمام بهوامش الأمور يصرف النظر عن جوهرها، ويعمق الإحساس بعدم أهميتها، عندما تحجبها ستارة عدم الاهتمام عن واقع الرؤية الواضحة الواجب توافرها لدى المهتمين بتلك القضايا، وثمة قضايا اجتماعية عالقة أحالها الاهتمام بهوامشها لتصبح بدورها هامشية في الحياة العامة، رغم تأثيرها المباشر على حاضر ومستقبل الأجيال، دون أن تكون للأجيال القادمة القدرة على تجاوز ما يفرزه الاهتمام بالهوامش من سلبيات تعيق حركة التنمية في مجالاتها الاجتماعية، وهذه المعوقات لها فعل السحر في جر المجتمع إلى حالة من السلبية لا تحمد عقباها، ويتمثل الاهتمام بالهوامش في معظم ما يطرح سواء في الحوارات العادية بين الناس، أو ما تتداوله وسائل الإعلام، أو ما يجتاح وسائل التواصل الاجتماعي من فقاعات لا تلبث أن تزول حول أمر ما أو موضوع ما، غالبا ما تتم شخصنته وتجريده من عموميته، ليصبح موضوعا شخصيا يقترن بفلان أو علان من الناس، بدل اقترانه بالدراسة والتعمق بعد اعتباره قضية عامة تهم معظم أفراد المجتمع وليس فردا بعينه، ومهما كانت مكانة هذا الفرد في المجتمع، فإنه يظل فردا، لا يمكنه ان يكتسب قوة الجماعة مهما بذل من جهد أو حقق من إنجاز، فالفردية تعني انحسار النظر عن شمولية الرؤية وعمقها. عندما تطرح قضية ما، ذات علاقة بالمجتمع، قلّ من يحاول النظر إليها بشيء من العمق، بالبحث عن جذورها وأسباب حدوثها وكيفية التعامل معها ووسائل إيجاد الحلول المناسبة لها، وبسبب غياب المنهج العلمي في هذه الحالات تتشظى معظم الطروحات وتوغل في ابتعادها عن الجوهر، ومكمن السر في هذه الحالات، الظروف - الأسباب - المستوى - إمكانية السيطرة عليها - الإجراءات المطلوبة لتجاوز عقبات الحلول المقترحة.. كل هذه الأمور لا يمكن إنجازها من خلال نظرة فردية تظل ضيقة مهما بلغ مداها، لأنه في النهاية مدى قصير بحكم فرديته، وهذه الفردية هي التي تقود إلى التهميش، بما يعنيه من تسطيح دون الغوص في الأعماق، ويجسد هذا التسطيح القبول بالحلول الوسط، أو إزاحة المسئولية على الآخرين في حالة فشل تلك الحلول، ومع أن تعدد الآراء ليس بالضرورة شرطا من شروط الوصول إلى جوهر تلك القضايا العالقة، إلا أنه خطوة في الطريق الصحيح، بانتفاء النظرة الفردية، وسيطرة النظرة الجماعية، التي لا تخضع للأهواء أو المحسوبيات أو الضغوط، وكل هذه أدوات تؤدي إلى الفساد، سواء في الذمم أو الإدارات أو الحقوق، وهذا سر انتشار التخلف في أي مجتمع، والعدو الحقيقي للفساد هو الوضوح في الرؤية، بعد ان توضع الأشياء تحت مجهر الحقيقة، وكلما اتسعت هذه الرؤية بتعدد المشاركين فيها، فإن في ذلك محاصرة للفساد والحد من انتشاره، وتقليص مساحة وجوده، وبغياب النظرة الجماعية، وسيطرة النظرة الفردية يتوافر المناخ المناسب لنمو وانتشار «فيروسات» الفساد المؤدي لانهيار المجتمع، وهو انهيار ربما لا يبدو واضحا للعيان في وقت مبكر، لكنه يتضح أكثر مع مرور الوقت، واستمرار سيطرة رؤية الفرد الضيقة، ومحدودية فاعليتها على المستوى العملي، مهما كانت مقدمة في شكل جذاب على المستوى النظري. كثيرة هي المشاريع ذات العلاقة بالمجتمع التي تتعرقل مسيرتها وقد تسقط في النهاية، بسبب سيطرة النظرة الفردية على تنفيذها، أو بمعنى أوضح بسبب نفوذ المشرفين على ذلك التنفيذ، عندما ينظر كل واحد منهم إلى مصلحته الشخصية وليس للمصلحة العامة، وصاحب المصلحة الشخصية لا يعنيه طبعا البحث عن حلول جذرية للمشكلة بقدر ما يعنيه البحث عن مكاسبه المتوخاة منها، من خلال اهتمامه بهوامش الأمور لا بجوهرها، ورغم أن الزمن يثبت دائما فشل هذا الأسلوب الفردي في التعاطي مع القضايا العامة، لكن المأساة أن تستمر هذه الحالة، لأن الاهتمام بها يركز على الهوامش ويتجاهل الجوهر، وسيظل الفساد مستشريا في جسد المجتمع مادام هناك من يغذيه بالاهتمام الفردي، حين يكون الاهتمام بالهوامش أهم من الاهتمام بجوهر الأمور.