د. إحسان بوحليقة

ممارسة العنف كأسلوب حياة!

سمعنا كيف أن «تجاكر» سيارتين أدى لحادث مريع، ولعل الأمر بدأ من «مستصغر الشرر» بأن تجاوز قائد إحدى السيارتين على الأخرى، فتجاوز قائد الثانية على الأولى، وهكذا تفاقم الوضع. ونجد اتجاها متجذرا لدى البعض لحل إشكالاته الحياتية بالعنف والزعيق، ويمارسه كأسلوب حياة! ونجد تلك الممارسة في البيت والشارع وحتى في وسائل التواصل الاجتماعي.بل أصبح للعنف اللفظي المتبادل تعابير مستحدثة، منها «قصف في نصف الجبهة»! قصف يقصف قصفاً فهو قاصف ومقصوف، وهي من المفردات العنيفة التي تعني القذف والرمي من بعيد، وهو أمر يبدو أنه أصبح سهلاً عند بعض من تربعوا خلف شاشاتهم «ليغردوا» بحماسة عبر «تويتر» باستخدام العنف. ونادراً ما ينادي الحكماء لاستخدام العنف، أما من سواهم فأول ما يتبادر لأذهانهم هو توظيف العنف والعنف المضاد، ولعل المبرر هو أن العنف أول ما يتبادر لأذهان المؤججين، وآخر ما يلجأ إليه الحكيم الرصين. فأعظم حكماء الأرض لم ترتكز عظمتهم إلى استخدامهم العنف أو مناداتهم به بل لتوظيفهم الفطنة وتحكيمهم العقل حتى مع ألد خصومهم ومناوئيهم. وحتى من يعيش في أجواء الحروب سواء أكانت الحقيقية أو في حروب «ألعاب الفيديو» فعليه دائماً التمثل بالحكمة القائلة إن الحرب خدعة، بمعنى أن تسوية أي نزاع لا يمكن أن ترتكز إلى القوة المجردة بل إلى العقل أولاً وقبل أي شيء. أعود لأقول إن استخدام المفردات الدموية مثل القصف والرمي والسحل والقذف هو استخدام تأجيجي بالضرورة والسبب أنها تذهب إلى آخر المدى. وأدرك أن هناك من يؤمن بالعنف كوسيلة لتصفية جميع المشاكل، فهو يستخدمه كأسلوب حياة؛ فتجده فظاً مع زوجته وإخوته وأولاده ومع زملائه في العمل وعندما يقود السيارة أو يذهب للمطعم أو البنك وقبل ذلك في صفوف الدراسة. نعم هذه شريحة من المجتمع، لكنها لا تصلح أن تقود والسبب أنها ستدعو للعنف وتلجأ إليه عند كل منعطف باعتباره الأداة الأنجع في نظرها، إذ إن المؤمنين بالعنف لا يعرفون غيره، فاختلاف الرأي تعبير لم يُدرَج في قواميسهم، ولذا فاختلاف الرأي مع زميل في المدرسة او العمل قد ينقلب لاشتباك بالايدي وتلاعن بالألسن، ونقاش في ديوانية أو استراحة قد يتحول إلى تفاذف بالأباريق والأكواب، وهكذا عند كل اختلاف مهما كان صغيراً أو كبيراً. والسبب أن هناك من جعل العنف منهجاً وديدناً لا يستطيع الانفكاك عنه، بل قد ينعتك بأقذع النعوت إن أردت أن تنحو بالأمور نحو التفاهم؛ فأنت في نظره تفتقر للشجاعة والحزم والحسم! وعلى النقيض، فمجرد استحسان أو قبول اللجوء للعنف أمر لا يمكن لمجتمعنا قبوله، فعندما تلجأ للعنف ابتداء فقد ارتكبت خطأ، أما عندما تلجأ للعنف كردة فعل فأنت تطمح «مخطئاً» أن تصلح خطأً بخطأ، وهذا مَطلب ثبت فشله، فليس حلاً موفقاً أن تصدم من صدمك مثلاً بل عليك أن تلجأ للسلطة المختصة «المرور في هذه الحالة» التي عليها أن تمارس صلاحياتها وفق القوانين وإجراءات الادعاء سواء إن كانت مخالفة مرور أو مخالفة أكبر وأعتى من ذلك بكثير، حيث لابد أن تبت المحاكم في الأمر بأن تصدر أحكاماً بعد النظر في لوائح الادعاء والمرافعات والدفوع والرد على الدفوع. قبل أسابيع اعتدى ولي أمر طالب بالضرب المبرح على أحد التلاميذ في مدرسة، ولعله كان يريد أن يقتص بنفسه لولده، قرر ولي أمر التلميذ المضروب ألا يتعاطى مع غريم ابنه بل يذهب لأقرب مخفر في البلده ليحرر هناك محضراً لإثبات الواقعة. كثيرون لاموا الأب لماذا لم يأخذ حق ابنه بيده ممن ضرب ابنه، لكن مجرد تصور أن اثنين من الآباء يتصارعان وسط حشود من التلاميذ أمر لا يليق ومنفرّ بالفعل. أما لجوء الأب للسلطة، فقد ساهم في حل الاشكال بصورة حضارية، وجَنبَ الأب تحمل وزر معالجة الخطأ بخطأ. أعود لأقول إن المناداة باستخدام العنف لا يمكن أن تكون مجدية؛ إذ ليس بوسع الأشخاص «الطبيعيين أو الاعتباريين» ممارسة العنف ابتداء دون ان يخالفوا قانوناً، ومن يخالف القانون يُفترض أن يعاقب وفق نصوص مقننة تصدر بها أحكام قضائية بعقوبات محددة لايقاعها على شخص محدد عيناً. إذاً، مهم أن نروج لثقافة خالية من العنف بكل أنواعه، ولثقافة ترتكز إلى القانون لإحقاق الحقوق بين أفراد المجتمع.