ما قاله المواطن (ع.م) في مطار الملك فهد
أظنه قال «شاي سادة» للبائع الذي كنت انتظر أن يفرغ من تلبية طلبه، ويناولني طلبي: «قهوة سادة بدون سكر». أطبقت كفه بخفة على الكوب البلاستيكي المحاط بغلاف من الورق، واتجه إلى طاولة قريبة وجلس مقابل البوابة (18) في مطار الملك فهد. التقطت بدوري «قهوتي» وقارورة ماء واتجهت لأجلس إلى طاولة قريبة من الطاولة التي جلس إليها الذي عرفت بعد دقائق أن اسمه (ع.م) لأكون قريباً ومقابلاً للبوابة (18).كنت لما وصلت إلى صالة المغادرة، تجاوزت البوابة (18) إلى البوابة (16) لأنه الرقم المكتوب على بطاقة الصعود إلى الطائرة، لأتفاجأ بقول موظف الخطوط السعودية الواقف إلى الكاونتر إنه جرى تغيير في البوابات فأصبحت البوابة (16) لرحلة أخرى و(18) لرحلة الرياض، معلومة لم يذكرها الموظف الذي أعطاني بطاقة الصعود. بدا (ع. م) منتشياً ومنشرح الصدر وهو يتحدث عن تجربته في مواقف تأخر رحلات في مطارات في بلدان غريبة. كان يتكلم عنها كذكريات جميلة. أعتقد أنه تحدث وسيتحدث عنها مراتٍ ومرات. ثلاثة أيام، قال، قضاها في فندق في الخارج على حساب شركة طيران أجنبية بسبب عطل في الطائرة اضطرهم إلى تأخير الرحلة. وفي مطار آخر في مدينة خليجية، وفرت الخطوط مكاناً خاصاً للمسافرين والمأكولات والمشروبات إلى حين وقت المغادرة. انثال (ع.م) بالكلام عن اللطف والاحترام اللذين عاملته بهما الخطوط التي تأخرت رحلاتها في الخارج. لم يرد على لسانه ذكر تجربة سيئة حصلت له رغم أنها تعني تأخره في الوصول الى الوطن وأهله.لم يكن (ع.م) مسافراً إلى الرياض، رغم جلوسه قبالة بوابة رحلة السعودية التي ستغادر إلى العاصمة. جلس في هذه البقعة بالذات لأنه كان في حاجة إلى الجلوس في أي مكان، وأن يزجي ما تبقى من الوقت الطويل الذي أرغم على قضائه في المطار باحتساء الشاي أو القهوة، وتأمل الغادين والرائحين، وربما التحدث مع هذا المسافر وذاك إلى أن تحين لحظة الفرج ويعبر خلال إحدى البوابات صاعداً الى الطائرة التي ستقله الى طيته. نادى المنادي عبر مكبر الصوت معلناً بدء صعود طائرة الرياض، ودعته متوجها إلى البوابة (18). أمامه ساعتان قبل موعد إقلاع طائرته. كان قد انقضى من بقائه الاجباري في المطار أربع ساعات. ربما احتسى المزيد من الشاي السادة، وربما تحدث مع مسافرين آخرين بانتشاء عن ذكرياته الجميلة مع شركات الطيران الاجنبية التي عاملته بلطف واحترام عندما تأخرت رحلاتها، وأسكنته في فنادق على حسابها، أو أجلسته والآخرين في أماكن خاصة وقدمت لهم المأكولات والمشروبات. وحتما سيتحدث كيف أن رحلته في السيارة لثلاث ساعات من الخفجي قد انتهت بانتظاره لست ساعات في مطار الملك فهد بسبب تأخر رحلة السعودية إلى الطائف. وسيذكر أن موظف الخطوط السعودية تعامل معه بلامبالاة عندما تساءل عمّا يفعل خلال الساعات الست. فجاءه الجواب مقتضباً مزعجاً: «الدمام قريب» كان يتوقع كلاماً كالذي سمعه من موظفي شركات الخطوط الأجنبية عندما تأخرت رحلاتها.من المستبعد أن ينسى (ع.م) «الدمام قريب»، لكنه لن يتحدث عن تجربته الأخيرة بانتشاء وانشراح صدر.