د. فالح العجمي

العرب بين الأنفاق والمنعطفات

كان العرب في مراحل مختلفة من حياتهم في العصر الحديث يتحدثون خلال فترات ازدهار القومية، وشعارات الوحدة والاتحاد ورفقائهما من المصطلحات الرنانة عما سموه بالمنعطف الخطير والمفصلي، الذي تمر به الأمة، والذي يحتم أن يلتف الجميع لتجاوز هذا المنعطف بسلام. لكن المشكلة الكبرى والأزلية أن ذلك المنعطف لا ينتهي، ولا يستقيم الطريق بعد فترة، أو لا يعلن من وصف مرحلة بأنها منعطف، أن خطر الانعطاف قد انتهى؛ فكأنك بذلك تعيش تحت صوت إنذار مستمر، فيفقد قيمته في التنبيه إلى الخطر. فقد استمرت حالة الاستنفار تلك طيلة القرن الماضي، أو على الأقل منذ منتصفه، عندما حصلت بعض البلدان العربية على استقلالها؛ إذ بدأوا منذ الخمسينات يتباكون على ضياع فلسطين، وأن هذه المحنة تتطلب جهوداً كبيرة يتجاوز فيها العرب كل خلافاتهم، لكي يستعيدوا حقهم المسلوب بالقوة. كما بدأت محاولات الوحدة بين كيانات العرب المختلفة، لكن دون جدوى؛ إذ ما أن يتحد كيانان منهم حتى يقوم بينهما نزاع، يتطور في بعض حالاته إلى حرب أو ما يشبه الحرب. وفي الستينات، خاصة بعد الحرب المهينة، التي كسبتها إسرائيل على ثلاث جبهات عربية، أصبحت نغمة التشاؤم أقوى، وصاحبتها رؤية انعطافية أكبر، حتى أصبحنا نظن أن كلمة منعطف، التي تشير إلى طريق منحنٍ للسيارات، ربما يكون لها ايحاء سياسي. وبعد نكسات الوحدة التي صاحبت التسعينات من القرن الماضي، أصبحت دلالة المنعطف تشير إلى منعطفات مختلفة عند كل فئة ترى رؤية متباينة، ولها خلفية فكرية أخرى. وفي وعينا لما كنا نقرأه من كتب أو تحليلات نشأت خلال القرن الماضي، صارت السطحية ملازمة لمن يرى الحياة سهلة، والأوضاع التي تمر بها المجتمعات طبيعية؛ إذ يمكن أن تتقلب الأمور بين صعود وهبوط، دون أن يعني ذلك وجود مؤامرات أو نكسات مفاجئة. ولم يكن يدور بخلدنا، أن الدنيا تخلو من المفاجآت، التي ربما تكمن خلف أحد تلال تلك المنعطفات، وكأنها حيوان مفترس يتربص بنا، أو ملاك يعطينا المكافأة أننا اجتزنا أحد أقوى المنعطفات بسلام. أما في الوقت الراهن فقد سادت مصطلحات أخرى ربما تكون أكثر تشاؤماً من المنعطف، وهي حكاية النفق. إذ بدأنا نطرح قضية: هل هناك نور في نهاية النفق، أم إنه نفق سرمدي؟ فلم يعد الطريق فوق الأرض وتحت نور الشمس، لكنه غير مستقيم فحسب؛ بل أصبح تحت الأرض، وربما يخلو من النور، ولا يدري أحد إلى أين يؤدي! وأظن مرحلة التشاؤم هذه قد بدأت مع مرحلة مواجهة العرب مع العالم؛ سواء في العنتريات التي كان يتشدق بها بعض ديكتاتورييهم، مثل صدام حسين أو القذافي، أو في الأعمال الإرهابية التي تقوم بها منظمات إسلامية مدعومة في أساسها من جهات عربية، ويقودها عرب خلطوا ذلك الخطاب الديكتاتوري المتخلف مع الأيديولوجيا الدينية المحمسة لأعمالهم الإرهابية. فبدأ التباكي باستشراف انتهاء العقوبات مثلاً، التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق، مع ما كان يعنيه آنذاك من نقص في الأغذية والأدوية للمدنيين والأطفال على وجه الخصوص. كما بدأت حالات التذمر من أن يدافع العالم عن قيمه بحرب على الإرهاب أينما كان. وعادت نغمة المنعطف، وإلقاء التبعة على الآخر، الذي يحاربنا لأنه يكرهنا، ويريد إبادتنا، ويتآمر من أجل اضعافنا. فهو الذي أدخلنا في هذا النفق، الذي لا يوجد نور في نهايته؛ أما نحن فإننا بريئون من كل ما يُلصق بنا، وخليقون بموقع متقدم يعطينا إياه ذلك الملاك الذي ينتظرنا بعد النفق!