د. إحسان بوحليقة

رمضان والدول الإسلامية

هَلَّ رمضان، ويذكرنا قدومه المبارك بآمال تتجدد معه، وبما تملكه الدول الاسلامية السبع والخمسون من حيث الموارد البشرية والطبيعية وامتداد المساحة والموقع الجغرافي المميز والطبيعة الساحرة وتنوعها من بر وبحر وأنهار وبقع زراعية وجبال شاهقة.. كل ذلك جميل لكنها موارد ومقدرات متفرقة لا يجمعها جامع يوظفها ليخرج من الفقر والمرض عشرات الملايين من المسلمين، والفقر المقصود هنا هو المدقع والمرض هو المزمن المميت أو المعيق. فما آفاق التعاون الاقتصادي بين الدول الاسلامية وصولاً لاتحاد اقتصادي؟ تصور لو أن هناك اتحادا اقتصاديا بين الدول الاسلامية، او تصور حتى وجود منطقة تجارة حرة أو جدار جمركي واحد، او لنذهب بالطموح بعيداً لأقول تصور وجود سوق مشتركة تجمع شتات سلع وخدمات الدول الاسلامية..أما الواقع المعاش، فالآمال عريضة لكن الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي أساس أي تنمية ونمو اقتصادي ضمن أي دولة، والتحاق تلك الدولة بتكتل اقتصادي يستتبع تواؤما سياسيا وتحالفا استراتيجيا ثم إن الدول الاسلامية تعاني حالياً أوضاعا صعبة تستوجب التعامل معها فهي حرائق لا يجوز أن تترك.الشأن الاقتصادي الاسلامي تحاصره بنود مشتعلة محاصرة مطبقة، رغم اننا دائما نتغنى ونعيد ونكرر بأن قوام المسلمين في العالم 1.5 مليار مسلم، وأن الدول الاسلامية تسيطر على أهم الموارد الطبيعية ومع ذلك فالتنمية ما زالت في بداياتها والازدهار الاقتصادي ليس سائداً والبطالة منتشرة والفقر ينافسها في طغيانه. رغم الآمال العريضة لاستنهاض التعاون الاقتصادي بين الدول الاسلامية إلا أن النتائج والانجازات محدودة، ولعل العلامة الفارقة هي البنك الاسلامي للتنمية. وكما أن المملكة أطلقت مبادرة الحوار الاسلامي، فالدول الاسلامية بحاجة لمبادرات نوعية في الشأن الاقتصادي لحفز الابداع وفرص النمو والعيش الكريم. الافكار في هذا الشأن وفيرة اما النادر فهو جدية التنفيذ.أتذكر هذا في هذه الأيام المباركة، حيث يتجه المسلمون في كل بقاع الأرض إلى خالقهم. وفي هذه الأيام، ومع الأحداث التي تحيق بالمسلمين وبدولهم، ضروري الحديث عن التقارب والتفاهم الإسلامي، فالتحديات كبيرة والمعوقات للعمل الجماعي بادية. ولطالما كان الحديث إن المقدرات لدى الدول الإسلامية هائلة، ولابد من استغلالها استغلالاً يخرج الكثير من تلك الدول من أتون الفقر والعوز، ويبعدها عن مجرد تصدير المواد الخام، إلى الأنشطة الاقتصادية التي تضيف قيمة وتستقطب استثمارات وتولد فرص عمل وتنمي الصادرات.ولعل من الملائم أن تسعى دول مجلس التعاون لتقوية وتسريع برنامج التكامل الاقتصادي فيما بينها، وأن تأخذ ذلك المشروع خطوة إضافية بالاتجاه العربي والإسلامي، انطلاقاً من أن التكامل الاقتصادي بين الدول يضيف لكل دول مزيد من القوة عبر جلب المزيد من العناصر الضرورية للإنتاج والتطوير.أدرك أن مطلبا من هذا النوع ليس سهلاً، بل قد يتهمني البعض بالبعد عن الواقعية، باعتبار الأوضاع الحاضرة للدول الإسلامية، لكننا في هذه الأيام المباركة لابد أن نتذكر أسباب القوة التي علينا أن نجمعها بعد أن تبعثرت، وأن ننظمها بعد أن أصبحت فتاتاً. وهذا ليس بالأمر السهل، لكن التنبه لأهمية وضع رؤية إسلامية تقوم على ما يجمع، وما يفيد، وما يقوي الاستفادة من الموارد، ستكون البداية لتحويل المماحكات إلى التعاون، والتنافس إلى تكامل. فكما قلت: قد يكون هذا حلماً، لكن كل الخطط بدأت بأحلام، وما الانسان دون قدرته على الحلم؟، وما الإصرار دون جعل تلك الأحلام حقيقة؟ثم إنه ومن أجل ذلك الحلم قامت المنظمات الإسلامية على تنوعها، إذاً هو ليس حلماً عابراً، بل رغبة متجذرة لدى الدول الإسلامية، أعربت عنها عند انضمامها لتلك المنظمات، وتجددها عند حضورها كل اجتماع. لكن مجرد النوايا وحضور اجتماعات لن يجعل حلمنا حقيقة، إذ لابد من التعامل مع التحديات والمعوقات تعاملاً ناجزاً. كيف؟ تعاملاً فنياً سياسياً، وليس تعاملاً يقوم على العنف والتباعد والتناحر. في رمضان المبارك، نشهد أياماً للتعبد، ونأمل أن تشهد هذه الأيام تقارباً وتآلفاً بين المسلمين، تخفف من تباعدهم، ليتمكنوا من التصدي لما يعايشه عالمنا الإسلامي عموماً، ومنطقتنا العربية خصوصاً، من مآس، فتتت بقاعاً عزيزة على قلب كل منا في العراق والشام، وسواها كثير.