في انتظار «هلال» رمضان
معظم الدول الاسلامية تعتمد على توقيت مكة المكرمة لتحديد هلال شهر رمضان ؛ لأن ذلك يحدد - في الوقت نفسه - وقفة عرفة في الحج، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته».من المعروف أن علاقتنا بالقمر علاقة متينة ومتشعبة، فهو ذو تأثير فعال علينا، سواء على أجسادنا أو على أفكارنا أو على الأرض التي نعيش فيها ببحرها وكل مياهها، وليس المد والجزر فقط ما يربطنا بالقمر.. بل ربما إن أول العلاقات المعروفة بيننا وبين القمر هي أننا نتأثر بجاذبيته، وقد نكتشف - مستقبلا - أن هناك علاقات أخرى سبقت الجاذبية كعلاقة مميزة بيننا وبين القمر، فالرحلات الاستكشافية للقمر مستمرة، وتاريخ القمر المعاصر يخبرنا بأنه في عام 1966م حطت المركبة الفضائية السوفياتية غير المأهولة (لونا - 9) على سطح القمر، ثم في عام 1969م وضع اول فضائي في العالم الأمريكي (نيل أرمسترونغ) أولى خطواته على سطح القمر، وتلاه الفضائي (بوز ألدرين)، وقد قضيا ساعتين على سطح القمر يجريان فيهما التجارب وجمع العينات، ثم عادا الى الأرض بواسطة المركبة (أبولو). للقمر عدة وجوه.. أعني عدة منازل، فهو يتدرج في ازدياد من هلال إلى تربيع إلى بدر، ثم يتدرج في اضمحلال من بدر إلى تربيع إلى محاق.. وظاهرتا المد والجزر تتأثران بتدرج القمر في منازله، ويصل المد إلى حده الأقصى عندما يكون القمر بدرا.ولكن، مهما يكن، وقبل أن يطل علينا شهر رمضان المبارك، قمت بمناجاة هلاله الجميل، علّه يكرمني برؤيته قبل سائر البشر.. وأحظى بتبليغ البشرى قبل الآخرين، وفي هذا قلت للقمر: يا قمر.. أنت الذي حولت ضوء الشمس الى نور طاهر أفاض قرائح المبدعين، وأيقظ أرق مشاعر الود فينا، وألهم العاشقين، أنت رمز الحب الذي يشدو باسمه الشعراء للفاتنات كل حين. أبا بدر.. لا تأفلُ عني... فأنا كأسلافي.. لا أحب الآفلين!يكفيك فخرًا.. نلت عز مصاحبة المصطفى الأمين.. حتى غدوت كالأنصار أو المهاجرين، ويكفيني سعادة وهناء رؤية نجليك (هلال) و(بدر).... من حينٍ إلى حين، كما يكفيك فخرا أنك في يوم جمعة فضيل ولدت، وعلّمت الأجير متى يعمل صنعته.. وشاركت الصائم أجر صومته، وبينت للمسلم أوقات حجته، وأنرت الطريق لمحمدٍ في هجرته.يا قمر.. يا نور الليل.. لابدَ وأنك حيّ مدركٌ كل ما قيل.. وكل ما أقول.... كيف لا.. وأنت ملهم مشاعر الشعراء والمحبين، وموقظ احساس كل المبدعين.. كيف لا.. وأنت الشاهد على التاريخ قبل أن يرويه الرواة !. لقد سجلت بصمتك المسموع أحلى الذكريات، وشاركت بنورك الوضاح وطيس أحرّ الحادثات، وأنرت دروب الدعوة وشهدت أعظم الغزوات... بلى وربي.. إنك الشاهد الصامت على ما فات، وأصدق صامت على ما هو آت … أجبني يا صامت الليل.. أجب على هذه المناجاة.. متى يا ترى استطيع أن أراك؟ !ذكرك الله في اجمل السور، ولمحت بصمتٍ كل العبر.... وعرفت الأنباء ومصدر الخبر.. فهل تجيب مناجاتي وأراك قبل كل البشر؟ هأنت تسبح في الفلك..تؤنسنا قمرا.. وتارة هلالا.. وأخرى بدرا كالعلم. عرفناك منذ الصغر.. مكرا مفرا مقبلا مدبرا معا... كعرجون سابح في أعماق الفلك، تكر على النهار ومنك يهرب.... وتفر عن الشمس وفينا تشرق، وعرفناك.. وعرفنا فيك شدوا ساحرا يبعث ألحان الأمل الشجية، كمعزوفة فتية، تسبح برقة وحرية، لتجتاز راقصة كل الطبقات التي في دربها وتصل الى خليجنا مدا وجزرا بحنان يلامس رمالنا الشقراء الناعمة! اجبني.. متى.. متى أراك يا جميل؟!