كيف يستفيد الوطن من الديوانيات والمجالس؟
تميل النخب الاجتماعية والثقافية والفكرية والاقتصادية والرياضية وفي كافة قطاعات المجتمع والدولة لأن تنشئ أجساما عفوية تحتضن اهتماماتها وتكون بمثابة ملتقيات تتبادل فيها الآراء وتعمّق التعارف فيما بينها، والخروج بأكبر قدر من المشاركة في الأفكار والأعمال، ولذلك ظهرت حالة جمعية تلقائية وعفوية منذ أقدم العصور فيما يعرف حاليا بالديوانيات أو المجالس الأسرية، أو المنتديات الثقافية، أو المجالس الأسبوعية التي تعقد في بعض أيام الاسبوع، والتي تطورت تسميتها مع مرور الوقت لدينا فيما يعرف بـ (السبتية، الاحدية، الاثنينية.. الخ).في تلك الكيانات العفوية والمنظمة في نفس الوقت يجتمع أفراد المجتمع السعودي منذ عقود، وتضم كل أطياف المجتمع من الرجال للترفيه وتبادل الآراء، ومن واقع ما يتم بحثه ونقاشه خلالها ظلت تلعب أدواراً عدة في المجالات الاجتماعية والتربوية والفكرية وحتى الاعلامية، حيث كانت ولا تزال مصدراً للأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بحيث باتت تشكل جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السعودي، بل وجزءا أصيلا منه، يمثل عادة من العادات الاجتماعية الحميدة التي توارثها السعوديون، وكما كانت مخصصة للرجال، أصبحت هناك صالونات أيضا للنخبة النسائية، ما يضعها كظاهرة فريدة داخل المجتمع السعودي.بعض تلك المجالس والديوانيات- كان ولا يزال- مكاناً رحباً لعرض ومعالجة بعض القضايا الاجتماعية التي لا تتناولها وسائل الاعلام، وفي بعضها تقام العديد من الندوات والمحاضرات، وهي مكان يلتقي فيه الأصدقاء والأقارب والمجموعات السكانية من مختلف شرائحهم وفئاتهم، وتجمع الفقير والغني، وتجمع السني والشيعي، والبدوي والحضري، أي كافة شرائح المجتمع وأطيافه برحابة صدر، كما يشمل ذلك على نحو خاص التجمع الشعبي أثناء الاحتفالات والأعياد ومواسم رمضان، بما يعبّر عن التماسك الاجتماعي داخل المجتمع السعودي.من واقع هذا التنظيم العميق في وجدان المواطنين بأطيافهم المختلفة، ومن خلال هذه الفعاليات التي تظل تجمع المفكرين والفقهاء واصحاب الاختصاصات والادباء والشعراء، فإننا أمام فكرة وطنية ملهمة قائمة على الحوار والارتقاء بأدواته، ففيها لا توجد النزعات الطائفية أو القبلية على الاطلاق، ووجودها وانتشارها بهذا الشكل يساعد بشكل كبير على وأد الخلافات الطائفية والقبلية والمذهبية، لأنها تفتح مجالا للحوار والنقاش وإبداء الرأي، أي أنها تختصر طريقا طويلا من أجل تعميق وترسيخ وتعزيز الروح الوطنية وجعل الفكرة الوطنية مرتكزا ثابتا في عقل ووجدان كل مواطن سعودي يجد فرصة مثالية من خلال المجالس والديوانيات والصالونات لاكتساب خبرات وأفكار وتطوير قدراته المعرفية والفكرية التي تجعله أكثر سموا على دواعي النزاع وما يمكن أن يشوّش على ثوابت المجتمع والوطن.تلك المجالس والديوانيات بوابة عبور مهمة وواسعة للأمن والسلام الاجتماعي وحفظ الوطن من أي مظاهر للتمايز والانقسام أو النزاع الفكري والطائفي، ومن واجب الجهات المعنية وبالخصوص (وزارة الاعلام) دعمها بالمطبوعات التي تتحدث عن سيرة بلادنا في كل حين، وتزويدها بأخبار الوطن وتوجهاته السياسية، وأرى أن يكون التواصل معها بخطوط (ساخنة) تزودها– كل حين- بكل جديد يتعلق بشأن الوطن وحراكه؛ لأنها تظل بوتقة تنصهر فيها كل أطياف المجتمع وكل أفكار المفكرين والمهتمين، وهكذا يظل الوطن حاضرا على الدوام في كل المناقشات والحوارات التي تدور فيها، وذلك يغذي ويعمّق القيمة الوطنية لدى افراد المجتمع الذين يحرصون على المشاركة والحضور من أجل أن يجدوا حافزا معرفيا وفكريا في تلك المجالس والديوانيات التي تعتبر حاليا أحد أهم وأبرز أدواتنا الوطنية التي تحافظ على نسيجنا المجتمعي والوطني.