د. طرفة عبدالرحمن

التنافس والصراع

هناك مسلمات خاطئة يؤمن بها الناس بطريقة تضاهي إيمانهم بالعقيدة.. هذه المسلمات تكون على شكل أفكار أو مبادئ تم بثها وترويجها عبر أمثال أو حكم قديمة قد تكون صالحة أو متلائمة مع حقبة زمنية ماضية؛ لكنها غير مناسبة لواقعنا القائم.. وهذا الأمر لا ينطبق فقط على الأعراف والعادات الاجتماعية، بل يمتد ليشمل أيضا الأعراف والأسس الإدارية والتي يروج لها منذ القدم على أنها الأسلوب الأمثل للإدارة الناجحة داخل منظومة المؤسسة، لكنها فعليا تخالف ذلك.. من أمثلة هذا ما يتعلق بالتأكيد على مبدأ التنافسية في العمل وأنه من الأجدى أن تكون منظومة العمل بيئة تنافسية للموظفين لأجل تجويد عملهم وزيادة إنتاجهم.. ورغم أن هذا المبدأ الإداري دائما ما يتم الحديث عنه والتأكيد عليه عند الحديث عن الجودة والإدارة إلا أنه من وجهة نظر اجتماعية نفسية مبدأ غير صحي في كثير من الأحوال، وعلاوة على أنه غير صحي فهو غير فاعل على مستوى تحقيق الهدف المراد منه، فالحاصل أن البيئة التنافسية التي يعمد بعض المدراء على خلقها تؤدي في نهاية المطاف إلى خلق صراع يتفاوت في شدته حسب معايير الأخلاق التي يتسم بها المتنافسون في العمل، وبدلا من أن نتحدث ونصف بيئة تنافسية شريفة تهدف إلى تجويد الإنتاج نجد أنفسنا نتحدث عن بيئة صراعية تتوالد منها عدة مشكلات إدارية وشخصية بين الموظفين، وخاصة عندما يتم تشجيع التنافسية في بيئة عمل نسائية أو مختلطة ففي مثل هذه البيئات عليك أن تتنبأ بأن مبدأ التنافسية الذي تم تأجيجه سيشتعل وسينتهي به المطاف صراعا لا يحقق سوى المشاكل.. ليس من السهولة ان تجعل التنافس قائما بمعزل عن نزعة الصراع البشري.. هناك عدة أساليب إدارية تكفل سير العمل وتجويد إنتاجه بعيدا عن أسلوب خلق التنافس بين الأفراد داخل منظومة العمل.. فالتنافس كثيرا ما يتحول إلى استنزاف للطاقة البشرية بأسلوب سلبي غير سليم.. إن المنظمات الكبيرة ذات التخطيط الإداري الجيد تعتمد على خلق الحوافز لموظفيها وتجويد إنتاجهم العملي بعيدا عن جو الصراع بين الموظفين.. عموما لب القضية يتمحور في جانبين؛ الأول، لا يجب أن ننقاد لبعض المبادئ والمسلمات سواء الإدارية أو الاجتماعية أو غيرها لمجرد تواترها عبر الأفراد خاصة إن لم تكن مدعمة بالدراسات والبحث العلمي. الثاني، أن التنافس في معظم أحواله يتحول إلى صراع خاصة في جو التشجيع عليه وأغلب مشكلاتنا الاجتماعية والثقافية بل والسياسية أحيانا منشؤها صراعي.. قد يعتقد البعض ان هناك فرقا كبيرا بين التنافس والصراع مبررا ذلك بأن الأول غالبا ما يكون بأساليب مشروعة بينما الثاني قد يكون بأدوات وطرق غير مشروعة، لكن الحقيقة أن أي مشروع صراع يبدأ بمقدمات عن مبادئ التنافس الشريف وطرقه لكنه ينتهي إلى خندق الصراع.. التنافس بطبيعته موجود بين البشر وفي معظم بيئات العمل وكذلك البيئات الاجتماعية لذلك يجب أن نتركه بفطرته الطبيعية بدون تأجيجه بأساليب وأدوات ممنهجة.