عقلية الصراع الجمعية (2)
في الجزء الأول كان الحديث عن عقلية الصراع الجمعية من منظور الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال لقائه بالقيادات الشابة في لندن، وفي هذا الجزء ننتقل إلى تشخيص المشكلة من منظور مفكر سعودي هو الأستاذ إبراهيم البليهي، الذي له من الكتابات واللقاءات كثير مما يخص هذا الموضوع، وطرق علاج الظاهرة أو التعامل مع مسبباتها. وربما كانت إشارات المفكر البليهي إلى عوامل نشأتها وعلاجها أكثر توزعاً على مقالات وكتب متعددة، لكنها تمثل جماع مشروعه الذي يسعى من خلاله إلى تأسيس ما سماه «علم الجهل». وهو العلم الذي يريد أن يسهم به في تفكيك هيكل الجهل، وتعرية طرقه أمام من يرغب في تجنب الوقوع في شراكه. وكان منطلقه في الغالب من النظرية القائلة، بأن الإنسان يولد بخيارات عقلانية مفتوحة، وقابليات حرة. لكن المجتمع يبرمج هذا الإنسان خلال سنوات طفولته، ليكون ترساً في آلة المجتمع الديناميكية؛ ولذلك فهو يعتبر أن ما هو عليه، وما ربّاه عليه المجتمع هو خير ما في الدنيا. ويبدأ في الدفاع عن هذه البرمجة على أنها النعيم المطلق، كما يكون على استعداد للموت في سبيلها. ويسترسل البليهي في نظريته بعدد من التفصيلات لما تكون عليه سيناريوهات ذلك التماهي بين ما وجد الناس عليه، وما يظنه اقتناعاً منه في داخله. فيصفه بكونه مزهواً بالاغتباط بثقافته، التي ينتمي إليها، وأن غبطته تزداد كلما ازدادت ثقافة مجتمعه تخلفاً؛ إذ يكون ضغطها عليه من أجل انخراطه في النموذج الواحد كبيراً. وقلما يتمكن الإنسان البسيط، غير المزود بأدوات فكرية تساعده على التفكير النقدي، من أن يكون مستقلاً. فهل إلى خلاص من تلك الدوامة؟ وإذا كانت أغلب المجتمعات تفرّخ مثل تلك العينات، فإن ذلك يعني أن ليلاً سرمدياً ينتظر البشرية للفكاك من هذه الدائرة الشيطانية. وفي جلسة تأمل مع هذه الأفكار أردت اختبار هذه النظرية عملياً، فاستعرضت أبحاث ندوة علمية (أو هكذا وصفها منظموها) عن علاقة الثقافة بالهوية، وتنوعت محاورها بين البحث عن جذور الهوية في التميز عن الآخرين، وبين تجميع عناصر الثقافة من خلال الاختلاف عن مكونات عناصرها في البيئات الأخرى؛ أي أن الثقافة من وجهة نظر أصحاب هذا الطرح ليست سوى الوجه الآخر للهوية، مع اختلاف بكون الثقافة تُعنى بعناصر ملموسة يحترمها المنخرطون فيها، بينما تُعنى الهوية بعناصر مجردة يستخلصها المتابعون لتطبيقات تلك الثقافة. كما أن مضامين تلك الأبحاث لم تخرج في مجملها عن تمجيد الثقافة والهوية الذاتية، وإسناد كل نقص أو سلبيات فيهما إما إلى غزو الآخر ومحاولاته التخريبية لهاتين الثقافة والهوية المجيدتين، أو إلى اضطرار هذه الذات الملائكية إلى التعامل بالشر مع الأشرار، وضرورة إبراز القوة في وجه المهاجمين وأصحاب الخذلان. عجباً للإنسان، كيف يستطيع أن يتعامى عن إمكان أن يكون هو أو مجتمعه في أقل الأمور مثل غيره من المجتمعات؛ التي تحتوي على الخير والشر في مكوناتها ودواخلها؟ وزاد تعجبي في جلسة التأمل تلك، من كون العينة التي اتخذتها معياراً ليست أيضاً من أسفل الهرم في المجتمع، بل نخب أكاديمية يفترض أن تكون قدراتها على التفكير النقدي عالية. حينها قنعت من الغنيمة بالإياب؛ فقلت: ليتنا نفكر في تحاشي التركيز الشديد على الخصوصية على الأقل في مراحل التعليم الأولى، التي يظن الصغار حين يتلقون تلك الشعارات أنها مسلّمات لا تقبل الجدل، فيصبح من أصعب الأمور أن يتخلصوا في أي مرحلة من حياتهم مما يشبه الشوفينية الثقافية.