محمد السماعيل

عفوا الحبابي.. شكرا وزارة العدل

أحد أسوأ أشكال السلوكيات التي تؤذي الآخرين وتنتهك خصوصياتهم وحريتهم الشخصية، أن يتم التعامل معهم بنوازع من العنصرية، ذلك في الواقع لا يمكن وصفه بغير الابتذال في فكرة الإنسان وتعاليه غير المبرر على الآخرين، ولا يمكننا تصوّر أن يحصل شخص على خدمة عامة نظير رؤية خاصة أو نزعة فردية للقائم بالخدمة، لأن ذلك ينم عن فشل في الفكر الإداري، كما ينم عن انحراف شخصية الموظف أو المسؤول، وبالتالي يؤدي الى تضييع هيبة العمل والموقع محل الخدمة.كنت قد نشرت مؤخرا تغريدة على حسابي في «تويتر» حول موقف حدث مع الدكتورة هيفاء الحبابي خلال استخراجها وكالة من كاتب عدل في إحدى المناطق، وما إن أنهت الدكتورة إجراءات معاملتها، إلا ورفض «كاتب عدل» أن يسلمها وكالتها دون أن تغطي وجهها «أولاً»، رغم أنها كانت محجبة، وكان بإمكانه إشاحة نظره وتسليمها أوراقها. تستحق الدكتورة الحبابي منا الاعتذار؛ لأن تصرف الموظف كان غير مسؤول، وليس من حقه التعامل مع مهام وظيفته بفكره الذاتي، لأن أصل المعاملات لا يشترط أو يقتضي تغطية وجه المرأة، ولذلك فإنه كان سلوكا لا يتوافق مع وزارة العدل وتقديم خدماتها، المهم في الأمر، أنه بعد نشر التغريدة استاء الكثير من المتابعين في موقع التواصل الاجتماعي من سلوك «كاتب عدل»، وعبروا عن استيائهم عبر تغريدات مستنكرة لهذا السلوك غير الحضاري، وبعد ساعات من نشر التغريدة تواصل معي موظف من وزارة العدل، وطلب تحديد موقع الحادثة للتعامل معها، وذلك ينتقل بنا فورا من أسوأ أشكال العمل المهني الى أرفعه، فالوزارة ليست لديها شروط متعسفة لإنهاء معاملات المرأة وغيرها من المراجعين. أثلج صدري رد فعل مقام الوزارة وحرصها على المصلحة العامة وعدم إخضاع المعاملات والخدمات لمزاج الموظفين وأفكارهم الخاصة، وأسعدني أكثر الحرص المهني للوزارة واهتمامها بسلاسة العمل وعدم تعطيله أو الإساءة اليه بتصرفات خارجة عن النظام الوظيفي والإداري، وذلك مؤشر الى أن وزارة العدل تعمل بمهنية عالية وجديرة بالإشادة والتقدير، كما هو مؤشر إلى أن وزارة العدل كانت سباقة إلى تفعيل «رؤية السعودية 2030» قبل غيرها من الوزارات، وقد برهنت لنا وزارة العدل أن العمل لا يمكن أن يخضع لمزاج هذا الموظف أو ذاك؛ لأن ذلك يخل بالنظام والتنظيم. الموظف غير مسؤول تماما عن إحراج المواطنة المراجعة وتعطيل معاملتها بدون مسوغات إجرائية فهي استوفت كافة المطلوبات وانتهت منها ومن حقها استلام معاملتها دون إساءة أو تقديرات ذاتية غير مرغوبة ولا تتناسب مع الحق العام للمواطن في الخدمة.في تقديري أن وزارة العدل بحرصها على الاستدلال على موقع الحادثة والنظر فيها تقدم نموذجا لأول خطوات الصعود إلى «رؤية السعودية 2030»، لترقى اليه بانطلاقه جريئة محافظة على نظامها الوظيفي والإداري، وعدم السماح لمنسوبيها للتعامل بدون القيود الوظيفية والمهنية والإدارية التي في مقدمتها عدم التدخل في شؤون الآخرين وإحراجهم أو الإساءة اليهم وتمييزهم بصورة متعسفة تتعارض مع واجباتهم ومسؤولياتهم، وحتى إذا أراد ذلك الموظف تقديم النصح فليس بهذه الصورة، وإنما بالحسنى دون اشتراطات أو تقييد، ولكنه تجاوز مهماته بصورة سلبية ومسيئة.ينبغي على كل موظف في الخدمة العامة أن يحذر اليوم، وبعد اليوم، حيث لا يمكنه مطلقا ربط أداء الخدمات بما يراه بفكره الخاص الذي لا يتفق مع مسؤولياته ونظام الجهة التي يعمل بها، فالنظام «جميل»، ولا يملك أحد حق فرض نفسه ورؤيته على الآخرين مهما كان، ولا توجد أي مساحة لتقديرات خاصة لتقديم الخدمات العامة إلا بما يسمح به النظام والا تحولت امورنا الى فوضى وإساءة للنظام والأفراد.بعد اطلاق «رؤية السعودية 2030» جاء دورنا في التقييم وإبداء الرأي حول تطبيق القانون على الجميع، وتحقيق العدالة بين المواطنين.