التحلية (15): نصف قرن على غياب الخطة الشاملة للمياه
نحن أمام مفترق طرق تاريخي. تقرير مصير الأجيال القادمة يحدده الماء. يجب أن يكون الماء محور كل تنمية اقتصادية واجتماعية في المملكة. في غياب هذه الرؤية هناك خطورة. بقاء الإنسان على هذه الأرض مهدد بنضوب المياه الجوفية. في غياب هذه الرؤية تهديد واضح لكل ما يتم انجازه. أكرر يجب أن يكون الماء محور كل تنمية. يجب على الجميع تبنّي هذه الرؤية قبل أن ينتهي بنا الأمر إلى كارثة ليس لها حل. هناك ثلاث جهات تستهلك الماء: الزراعة، الصناعة، البشر. هكذا يتم التركيز عليها أثناء التخطيط والنقاش. لكن لا يتم الحديث عن بقية المكونات الأخرى في البيئة. وتلك هفوة تقود إلى تجاهل الكثير من العناصر عند الحديث عن مشاكل المياه الجوفية. البيئة عامل مهم وفاعل. للبيئة نصيبها الذي لا نراه ولا نحسه من هذه المياه. كنتيجة تعمل البيئة لوحدها للحفاظ على نصيبها من هذه المياه. هنا تكمن الخطورة. تدخل الإنسان في البيئة بجانب استغلالها بشكل سيئ، يفقدها صواب عملها ودورها ووظيفتها. أيضا يزيد من أعبائها وينهكها. كنتيجة يتم استنزافها وتدمير عوامل بقائها. كنتيجة يتوقف دورها الإيجابي. تتصحر. تفقد عطاءها وهو الرافد القوي لحياة الإنسان. فقد عطاء البيئة خسارة حتى للأجيال القادمة. في المراجعة الشاملة يجب الاهتمام بالبيئة كاهتمامنا بصحتنا، وتعليمنا، وآمالنا بحياة ومستقبل أفضل. إذا وقفت معك البيئة فلن تكون وحيدا. في موت البيئة ونهاية عطائها موت لكل كائن حي. إنهاك البيئة بتحميلها ما لا تستطيع فساد يجب أن يتوقف. مورد الماء هو الجامع الشّامل، هو الموحّد للفرقاء. كنتيجة يجب أن يكون الماء محور كل تنمية في المملكة. يجب أخذ هذا كفلسفة ونهج حياة. أن يكون همّ الماء عقيدة وسلوكا ونمط حياة. أن يكون همّ الماء قلقا دائما لكل فرد. القلق على الماء قلق مشروع. يجب تنميته كثقافة ليصبح عقيدة لكل فرد.أعود إلى التحلية. يجب أن لا تكون همّا. التحلية صناعة مُكلفة وغير اقتصادية. الوفاء بتكلفتها سيكون على حساب ضروريات أخرى في حياتنا وحياة الأجيال القادمة. هل يقبل العقل أن تكون تكلفة إنتاج (1.2) مليار متر مكعب من المياه المحلاة (17) مليار ريال سنويا. في الوقت الذي نهدر سنويا أكثر من (20) مليار متر مكعب من المياه الجوفية على زراعة عشوائية؟ لدينا ما يكفي من المياه الجوفية لتعويض ما تنتجه التحلية.يجب العودة إلى البيئة. باطن الأرض كله ثروات مياه. تقديري لهذه الثروات يتجاوز (60) تريليون متر مكعب. جاءت عبر الفترات المطيرة. جعلت طبقات العصور الجيولوجية المختلفة خزانات ضخمة من المياه العذبة. في الزمن الماضي لم نستطع الوصول إليها. لم نستطع تحديدها. اليوم، ولله الحمد، وبواسطة التطور التقني، وحصولنا على الامكانيات المالية، استطعنا الوصول إليها واستخراجها، وهذا إنجاز. لكن أن يتحول الإنجاز إلى أداة تخريب وتدمير، فهذا ما يجب تجنبه، وأيضا وقفه فورا، لصالح البلاد والعباد. إن تأخير المراجعة الشاملة، وتأخير صدور قرار التصحيح، يزيد الطين بلّة. كل قطرة ماء تُستخرج من باطن الأرض تشكل خسارة لا يمكن تعويضها. يجب وقف الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية في جميع المواقع التي تعاني. أن يكون ذلك فورا، مهما بلغت الخسائر المادية. المال يعوض والمياه لا تعوض. في برنامج المراجعة الشاملة من الضروري وقف العبث. من الضروري إعادة تقييم الوضع بشكل علمي، بعيدا عن المجاملات والمحسوبية، بعيدا عن حسابات المصالح الشخصية. من الحكمة النّظر إلى مصالح الأجيال القادمة، وحماية البلد من نضوب المياه، مع وقف تجفيف مستودعات المياه الجوفية غير المتجددة.في الوقت الذي نتوسع فيه لبناء المزيد من محطات التحلية، استنزاف المياه الجوفية يزيد سنويا. في هذه الصحاري الجرداء بلغ مجموع استهلاكنا من المياه، ولجميع القطاعات، أكثر من (22) مليار متر مكعب سنويا. يحصل هذا في غياب الخطة الشاملة للمياه.الحقيقة أن الخطة الثانية (1975) وفي وقت مبكر دعت إلى: «إعداد خطة وطنية شاملة للمياه في إطار الخطوط العريضة للسياسة الوطنية، وطلب الموافقة على هذه الخطة على أن تتضمن نصوصا لتنفيذ النظام ومعايير» الصفحة 162. حتى اليوم لم يتحقق أي شيء مما دعت إليه الخطة. كأن الوزارات ذات العلاقة غير معنية بالأمر. يستمر الحديث بعنوان آخر.