«التحلية» «14»: المصلحة العامة على المدى الطويل
■■ في المقال السابق تم توضيح ما جرى في الأحساء. نضبت مياهها الجوفية. كان في المقال تفسير لهذا النضوب. الأحساء نموذج لما جرى في جميع مناطق الصخور الرسوبية. كان الأمر يتطلب إدارة واعية. إدارة رشيدة للمياه الجوفية. اهتمّوا بتوزيع الأراضي البور. تجاهلوا المياه الجوفية بشكل مُخل. غاب الوعي بأهمية الماء. كان الوضع يتطلب أكثر من مجرد منح أرض زراعية وحفر بئر ارتوازية. ■■ أمر المياه الجوفية ما زال أكثر تعقيدا. تجاهلته الوزارات المعنيّة. حفر البئر الارتوازية قصة علمية غيّبها الجميع. كان يجب أن يكون لكل بئر سجل خاص. أرشيف يحمل كامل المعلومات من أول متر إلى أقصى متر. سجل يحمل عينات تربة لجميع مراحل الحفر. كان يجب إنشاء مكتبة وطنية لحفظ كافة المعلومات عن كل بئر ارتوازية في المملكة.■■ المسافات بين الآبار الارتوازية عنصر مهم تم تجاهله. المسافات الخطأ بين الآبار الارتوازية كارثة على المياه الجوفية. كارثة على الانجازات الزراعية. كارثة على مستقبل المياه والزراعة. المسافات بين الآبار ليست أمرا اختياريا وعشوائيا. الآبار الارتوازية بحاجة إلى حسابات دقيقة، وفق نظام علمي حازم. نظام يُطبّق على الجميع. التجاوزات مقدمة لانهيار الزراعة في منطقة الآبار الارتوازية. تسببت في نضوب المياه.■■ ترك الحبل على الغارب للاستنزاف الجائر خطأ تاريخي. خطأ يصعب علاجه. ترك النّاس على جهلهم دون رقابة، ومتابعة، وحساب، خطأ جسيم. جهل النّاس بالعواقب في حد ذاته كارثة. خلال العقود الثلاثة الماضية تم ارتكاب أخطاء ترتقي لأن تكون جريمة بيئية. أخطاء ستؤثر نتائجها السلبية حتى على الأجيال القادمة. غابت الجهة المسؤولة عن حفر الآبار الارتوازية وغاب دورها. الأمر ليس مجرد إعطاء تصريح بحفر البئر الارتوازية. ■■ لماذا لم يتم بناء خزانات ضخمة لتجميع مياه الآبار الارتوازية؟! عمل شبكات ري من الخزانات إلى الحقول الزراعية كان الأنسب. توزيع الماء وفق جداول زمنية تحقق المتطلبات العلمية لكل محصول زراعي كان هو الأفضل. وضع تسعيرة لتكلفة الحفر ومعدات الضخ وشبكات الري كان الأوفر. هذه خيارات كان يمكن توظيفها، وهناك أخرى. الوضع الذي ساد يحمل أبعادا سلبية. ■■ هبوط مناسيب المياه الجوفية لا يعني أن المياه نضبت في جميع أنحاء ومساحة مناطق الصخور الرسوبية. القصة أن هناك استنزافا جائرا في موقع محدد. هذا ساهم في هبوط مناسيب المياه الجوفية في هذا الموقع. شكّل خطورة على مستقبله المائي والزراعي. أيضا أجبر الجميع على البحث عن المزيد من المياه في طبقات أخرى في نفس الموقع، وبشكل عشوائي. حُفرت آبار ارتوازية أخرى على طبقات أعمق دون تصاريح. هكذا تم استنزاف المياه الجوفية في جميع طبقات الموقع. وهذا أمر غاية في الخطورة. يمكن أن يتسبب في حدوث تصدعات وخسوفات في الموقع أو في مواقع أخرى بعيدة.■■ لدينا (9) تكوينات (طبقات) جيولوجية حاملة للماء في مناطق الصخور الرسوبية بالمملكة، كالتالي: أولا: تكوين (النيوجين) ويستفيد منه: الأحساء، وساحل الخليج العربي؛ ثانيا: تكوين (الدمام) ويستفيد منه: المنطقة الشرقية؛ ثالثا: تكوين (أم الرضمة) ويستفيد منه: المنطقة الشرقية؛ رابعا: تكوين (الوسيع) ويستفيد منه سكاكا، خريص، سدير، وادي نساح، الخرج؛ خامسا: تكوين (البياض) ويستفيد منه نفس مناطق طبقة الوسيع؛ سادسا: تكوين (المنجور) ويستفيد منه: الرياض، سدير، الوشم، الخرج، الأفلاج؛ سابعا: تكوين (تبوك) ويستفيد منه: (القصيم) عنيزة، بريدة، تبوك، الجوف؛ ثامنا: تكوين (الساق) ويستفيد منه: (القصيم) عنيزة، السر، بريدة، تيماء، العلا، تبوك، حائل؛ تاسعا: تكوين (الوجيد) ويستفيد منه: غرب وادي الدواسر، جنوب غرب الربع الخالي.■■ انتشار وتوزيع هذه التكوينات جعل توزيع الأراضي البور يتم دون دراسة دقيقة. تم تركيز الزراعات في بقع معينة وبشكل مكثف. تم التركيز بشكل جائر على توزيع الأراضي البور في جميع مناطق الصخور الرسوبية. أكثر من (3) ملايين هكتار من الأراضي البور الصحراوية الجافة تم توزيعها دون مراعاة علمية لتوزيع الآبار الارتوازية وطرق حفرها. كل شيء كان عشوائيا. تجاهلوا حتى خطط التنمية. ■■ نادت خطة التنمية الثانية عام (1975) وفي وقت مبكّر، قائلة: «بعدم السماح بزيادة استعمال المياه في الأغراض الزراعية إلا إذا ثبت أن مثل هذه الزيادة تحقق المصلحة العامة على المدى الطويل» صفحة 161. هذه التوصية تم تجاهلها تماما، بل تم العمل عكس ما نادت به هذه التوصية المهمّة... ويستمر الحديث بعنوان آخر.