د. طرفة عبدالرحمن

فقراء الأخلاق

أحد أشكال البؤس الفكري التي تظهر على فئة من أفراد المجتمع؛ تنصيب أنفسهم للدفاع عن أخطاء يعتقدون بقداستها، أضف الى ذلك أن خزيهم الفكري يتجلى في استخدامهم الأكاذيب للتبرير لبعض التجاوزات الفادحة التي يرتكبها (المتلبسون بقشور الدين). عموما قطعان أي تيار فكري نحن لسنا ملزمين بهدايتهم قسرا إلى جادة التفكير الصحيح والسليم أو المعتدل، إنما يجب أن يوضع في الاعتبار أن هناك حدودا وطنية وأمنية واجتماعية لا يمكن القبول بتجاوزها تحت أي اعتبار.. أبناء الوطن مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية أو المناطقية أو القبيلة بل والفكرية يجب أن يجتمعوا على (كلمة سواء) يقفون فيها خلف مبدأ ثابت لا يقبل تحت أي ظرف المساس بمنظومتهم الأمنية والاجتماعية، لا يقبلون أن يمس باستقرارهم ووحدتهم تحت أي ذريعة، ويفهمون الثغرات المستغلة التي يدخل منها بالستار الديني والتي غالبا ما تدندن حول قضايا الجهاد، والتكفير، وفتنة المرأة، والتشكيك في قرارات الحكومة وادعاء أنها تخالف التشريع الديني.. لو وضع الناس هذه الأسس فوق كل اعتبار وفي كل مناسبة اختلاف فكري لما تجرأ أحد للمتاجرة بالدين أو استخدامه في إرضاء نزعاته الذاتية للحظوة بشهرة أو سلطة أو برستيج اجتماعي على حساب الأمن العام وعقول الناس والتشكيك في شرفهم وأخلاقهم وادعاء حاجتهم الماسة لحمايتها!! كلنا متساوون أمام القضاء والنظام في هذا البلد ولا يجب أن يكون أحدهم بمنأى عن المحاسبة أو التحجيم لمجرد أنه لبس عباءة الدين ولا يجب الاعتقاد بذلك.. ولا ينبغي بحال التشكيك في عدالة النظام لأنه أوقف شخصا أو جهة عن التمادي في ضرب الاستقرار المجتمعي.. يبدو أن بعضنا لم يتفهم بعد حجم نعمة الاستقرار الأمني والاجتماعي الذي ينعم به، وكيف أن بوادر انهياره بشكل عام تظهر عندما تتصادم مصالح تجار الدين و«العوام المضللين» مع منظومة المجتمع والدولة، ولم يدرك بعضنا أيضا أن سبب انهيار الاستقرار الأمني والاقتصادي في بعض الدول العربية هو التأليب الديني الذي تستخدمه بعض الجماعات ضد الحكومة لأن لها مصالح متضادة معها. المشكلة ليست في استخدام الدين من قبل جماعات تسيسه لمصالحها، لب المشكلة يبرز في انخداع كثير من العقول في هذا النوع من التضليل الفكري، رغم أنه لا يحتاج إلى ذكاء وفطنة عالية لاكتشاف زيفه.. أليس مدعاة للعجب أن تجد أفرادا في المجتمع لا يفهمون حجم التناقضات الكبيرة التي تظهر في سلوك مدعي التدين أو أولئك الذين يلاحقون الناس في خصوصياتهم ويهاجمونهم بأقذر الوسائل جهارا نهارا!! كيف لعاقل يمتلك أبسط مقومات التفكير السليم أن يصدق أن الدين يحث على تتبع عورات الناس وشتمهم وقذفهم من مبدأ الحمية له؟! كيف لإنسان سوي أخلاقيا وفكريا أن يتقبل سلوك بعض «المتلبسين بالدين» في الشماتة بمن يكرهون في حال مرضهم أو موتهم.! العجب كل العجب أن فئة من الناس لا تتقبل سلوك مثل هؤلاء فقط بل إنها تدافع عنه وتتقمصه وتحاول أن تجعل من منهجه عقيدة سلوكية متفشية في تعامل الناس مع بعضهم.. هذا الخلل السلوكي الذي يعاني منه بعضنا يعطي مؤشرا بوجود حالة الفقر الفكري والأخلاقي في وضع معين، وأن فقراء الأخلاق سيتكاثرون ما لم تسد الفجوات التي يخرجون منها.