عرب المركز وعرب الأطراف
هذا عنوان لمقال قديم كتبه الأديب الراحل الطيب صالح، تعليقا على تقديمه خطأً باسم «صالح أبو الطيب» في مناسبة ما في إحدى العواصم العربية الكبرى، وفي عز شهرته الأدبية، وذيوع اسمه في مختلف الأوساط الأدبية والإعلامية إبان نشر روايته الخالدة «موسم الهجرة إلى الشمال»، حيث عدّ هذا التصرّف على أنه نوع من الاستعلاء على الآخرين، وأنه ينمّ عن تنكير متعمد لكل الأسماء التي لا تخرج من عواصم المركز، وفي أحسن الأحوال عدم إعارتها ما يكفي من الاهتمام إلى درجة الخطأ في قراءة أسمائها، حيث لا يتمّ التعامل مع القيمة الأدبية، بقدر ما يتم مع الجغرافيا التي صنعت في مسرح الثقافة صفا أول وصفا أخيرا، على هوى المكان، لا على هوية العمل. أتذكر أن المقال صادف عاصفة شديدة من الانتقادات من أساتذة كبار، زعموا أنه إنما كُتب بحساسية زائدة عن اللزوم، وأنه لا يمثل واقعنا الثقافي العربي الذي يتعامل مع القيم الفكرية والأدبية والإبداعية، بحيث تتساوى قامة ابن بغداد أو القاهرة مع قامة ابن نواكشوط أو مسقط فالعبرة للنص، ولا أتذكر أن الطيب صالح ردّ على تلك الانتقادات أو اعتذر عن موقفه في ذلك التصنيف، لكن ما أنا على يقين منه أن الأيام لا تزال تثبت مصداقية ما ذهب إليه الروائي الكبير، ليس على صعيد العمل الأدبي وحسب، إنما حتى على صعيد الصحافة، وتحديدا في هذه الأيام جراء الاصطفافات السياسية، بحيث يبدو شريف شحادة طليعيا أكثر من سعد بن طفلة، والذي يقرأ لصحافيين كبار بالاسم على الأقل كطلال سلمان، وعبدالباري عطوان وغيرهم، لا يحتاج إلى كبير جهد لاكتشاف تغلغل هذه العقدة الشوفينية، فأي مثقف أو إعلامي أو صحافي خارج القاهرة ودمشق وبغداد وبيروت، لا ينتهي تقزيمه عند حد الخطأ في اسمه، وإنما قد يمتد لتصغيره وتصغير مجتمعه، ووصفه بكل عناوين التخلف والجهل والرجعية الفكرية لأنه لا ينتمي لعرب المركز، متجاهلين أن أدوات العصر الحديث وقنواته الثقافية قد حطمت كل عوامل الاحتكار الفكري والثقافي الذي كان سائدا في الخمسينيات والستينيات، وأن الجغرافيا لم تعد ضمن محددات الوعي أو المنطق أوالإبداع، بعدما تبدلت محاور الارتكاز من مكان لآخر، ولم تعد هنالك قامة أطول من قامة إلا بما تمتلكه من قدرات وقيم موضوعية.أنا لا أصادر على مراكز الثقافة العربية حقها في الريادة، هذا حق شرعي، وتاريخي لا مشاحة فيه بحكم الأولوية، وأسبقية التنوير، والباع الطويل في إرضاء الأطراف، لكن ينبغي في المقابل ألا تصادر هذه الأولوية حق ثقافة الأطراف فيما أنجزته، خاصة في العصر الراهن الذي ألغتْ فيه وسائل التواصل الحديثة كل الأطر، والمركزيات، وحولت الساحة برمتها إلى منصة واحدة للإرسال والاستقبال بنفس اللحظة. إن حجم الغثاء في لغة الخطاب والمضمون وحتى الأسلوب في بعض ما تطرحه ما تسمى بصحافة المقاومة في بيروت كمثال، وهي مركز بامتياز، والعزف البغيض على مفردة «العربان» وما في حكمها، يكشف عن علّة مخبوءة في ذلك الخطاب، ليست علة موقف سياسي وحسب، وإنما أيضا علة أو أزمة ضمير، لأن الاختلاف في الرأي أو في الموقف يُفترض ألا يُخرج الكاتب عن موضوعيته في النقد، وتفكيك الآراء وبيان مواضع تهافتها إن وجدت، إلى خانة استخدام الشتيمة الفاقعة، هذا بهتان لا يليق بمن يضع نفسه في مركز الوعي ومركز الثقافة (كما يدّعون).