الضجة والسوق.. مصر الشامخة...!
المصريون يعرفون، طوال التاريخ الماضي، أنهم «مفرمة» للزعماء، حتى «الشاب» توت عنخ آمون، لم يدعوه يهنأ بتاج مصر، وقيل إنه قضى اغتيالا، على الرغم من أن زاهي حواس -خبير الآثار المصري- يقول إنه مات بمرض، مع أن القرائن تدل على أنه قضى اغتيالا، على يد الاليجيركية الآمونية المهانة للتخلص من «صوفية» والده اخناتون، الذي وحد عبادة الآلهة في اتون (الشمس) ونقل العاصمة إلى تل العمارنة خشية من ثورة طيبة الآمونية الأصولية، وأن الوزير «خير خيرو رع آي» قد تزوج أرملة الملك المغدور، حال القضاء عليه، وعين نفسه فرعونا، ولكن وزيرا آخر هو «حور محب» الدبلوماسي والسياسي المحترف، قد اغتصب الحكم من آي، وجرى تدمير كل تاريخ العائلة، ولا يعلم عما إذا كان لزوجة اخناتون الجميلة، نفرتيتي، أي دور في الإطاحة بحكم ابن زوجها، ولكن الوزير الآخر حور محب المغتصب للسلطة محا ذكرها وذكر زوجها وابن زوجها والوزير آي وأعاد عبادة آمون، ومهد لصعود آل رمسيس إلى الحكم وتأسيس الأسرة التاسعة عشرة.وقصص كثيرة كان حكام مصر هم الضحايا، من العهد الروماني إلى عهود المماليك حتى ولاة الدولة العثمانية. وفي عهد الجمهورية، لم يسلم رئيس من ألسنة المصريين أو حرابهم.الرئيس عبدالفتاح السيسي وجد نفسه، فجأة، في الأسبوعين الماضيين، هدف حملة منسقة منظمة، اختطفت المشهد، تحت عنوان «جزيرتا تيران وصنافير»، والهدف الأسمى لمثيري الضجة الأوائل، تصفية حسابات مع الرئيس، ومن أدواتهم ابتزاز المصريين عاطفيا، بعناوين وطنية.وفي الواقع، فإن زيارة الملك سلمان إلى مصر وإبرام الاتفاقيات التاريخية، التنموية والاقتصادية، قد سببت صدمة للذين كانوا يعولون، بسذاجة، على مجموعة «فيديوهات» في «يوتيوب»، للإطاحة بالحكومة المصرية والرئيس السيسي بالذات، إذ هذه الاتفاقيات تمثل نجاحا باهرا للرئيس وفريقه الحاكم، وتقوية لمركزه وتعزيزا لبقائه؛ لأنها إنجاز تاريخي، وليست خطابات تلفزيونية، إذا لم يجر تعويقها أو تحويرها أو افشالها، سوف ترفع معدل التنمية في مصر إلى مستويات جديدة ورائعة.وتحولت أعراض الصدمة إلى ضوضاء وهستيريا عريضة، اشترك فيها غوغاء شتامون وانتهازيون تخوينيون وجهلة، حتى لم يبق للراشدين العلميين صوت مسموع.ليس عيبا أن يطالب مواطن بمعرفة الحقيقة بنقاش وحوار علمي وأدب، على ألا يصادر الحقيقة ويحاول اختطافها، ولا يسيء لنفسه ولا للآخرين، أما الغطرسة والتحدث بفوقية، وإطلاق النعوت على عواهنها، فلا تعبر سوى عن ذات متأزمة وجهل بالقضية وبالواقع وبآداب النقاش. وبعض الانتهازيين كان يود القفز على القوانين والمعاهدات والاتفاقات إلى تحكيم التاريخ. وغاب عنه أن التاريخ، على الأرجح وفي محطات كثيرة، ليس في صالح رؤيته أصلا. وبعض الانتهازيين يتحدث وكأن ما يريده ويقرره هو بالضبط ما يتوجب على الحكومة المصرية تنفيذه في الغد، وبلا نقاش ولا حوار.وتحولت القضية إلى سوق، كل يبيع فيه ويشتري. بعضهم وجدها فرصة لشتم المملكة، وشتم السعوديين، وفرصة لا يمكن تفويتها، لشتم السيسي والحكومة المصرية. وكل يجلب مريديه لتوظيفهم في آلة الردح. وبدا واضحا التغييب المتعمد للدبلوماسيين والأكاديميين، لأن هؤلاء يتحدثون عن وقائع وحقائق في العلاقات الدولية، و«الحفلة» تحتاج إلى «شعللة». وأيضا سعوديون، مع الأسف، استجابوا للاستفزاز وشتموا المصريين، وهذا، طبعا، تفريغ نفسي مريض، ووقاحة لا يمكن قبولها من الجانبين، وهذا بالضبط، ما يوده المشاؤون بالنميم أن يحدث، خاصة المعرفات المجهولة الاستفزازية التي تشعل الغضب في معرفات شبكات التواصل الاجتماعي.ما بين الشعبين، أكبر من جزيرتين، وأكبر من شتامين، وأكبر من انتهازيين، ولو اختفت الجزيرتان من الغد، فلن يتبخر السعوديون ولا المصريون، وسيبقى المصريون شامخين كما العهد، وستبقى مصر الشاهقة، رائعة الروائع. وترمصر..النيل ووديان الخصب..وأناشيد آتون..وخير أجناد الأرض..بهجة التاريخ.. وشمس الخلود..وبهاء المساءات منذ خط مينا منف في حقول السفانا حتى فتنة المراود في مقل صبايا الشط..